في أرخبيل "راجا أمبات" الإندونيسي، طوَّع حُماةُ الطبيعة قطاعَ السياحة لإنقاذ أحد آخر النظم البيئية البكر في المحيط. لكن نجاحهم هذا يواجه اليوم منعطفًا جديدًا من التحديات.
إن رؤية سمكة شفنين "المانتا" وهي ترتقي كشبح بُعث من أعماق المحيط، ثم تنساب بسلاسة عبر المياه، لَهيَ تجربة فريدة من نوعها في عالم الغوص يحلم بها الغواصون. فهذه المخلوقات المراوغة كانت تبعث في نفوس مستكشفي القرن التاسع عشر خوفًا غير مبرر، حتى إنهم أطلقوا عليها اسم السمكة "مصاصة الدماء" و"الشيطان البحري"؛ لكنها اليوم أصبحت من أهم عوامل الجذب السياحي. هكذا وجدتُ نفسي أطارد شبحًا يفوق حجمي بأكثر من الضعف عبر مياه "مضيق دامبير" الفيروزية الزاهية، وهو الممر المائي الذي يربط أكبر جزر أرخبيل "راجا أمبات" الاستوائي في شمال شرق إندونيسيا. شعرتُ بنخزة في رئتيّ وأنا أحرك، جاهدًا، زعانفي وأنبوب التنفس لألحق بسمكة المانتا العملاقة التي قفزت بجانب سفينتنا الشراعية "سيلولونا" التي يبلغ طولها نحو 50 مترًا. وبينما كنتُ أسبح عكس التيار عبر دوامة عكسية تعج بالكريل، كانت أسراب من هذه القشريات الشفافة الصغيرة تتساقط من حولي، مختلطة بقناديل البحر الصغيرة التي كانت تلسع كتفيّ وذقني. بعد عشر دقائق، كان صدري يكابد بشدة للتنفس، وأدركتُ حينها عبثية محاولة اللحاق بمخلوقٍ يسبح بسرعة تناهز الـ40 كيلومترًا في الساعة ويغوص إلى عمق 1200 متر. حينها فقط ظهر هذا الكائن الرشيق على بُعد ستة أمتار تقريبًا أسفل مني. كانت سِماته استثنائية، فقد كان أسود بالكامل، بأجنحة بيضاء لامعة تمتد على الأقل 4.5 أمتار. وكان رأسه الأبيض الناصع مُزيّنًا بزعانف رأسية صغيرة، تُشبه قرون الشيطان، والتي أصبحت علامته المميزة. انحنت سمكة المانتا مرتقيةً للأعلى، ثم انطلقت مجددًا، مُلتفةً في حركة بهلوانية مزدوجة لتبتلع قشريات الكريل بكميات هائلة. حينها لاحظتُ شيئًا آخر لافتًا، ألا وهو أنه لم تكن هناك بقع بين خياشيم هذه المانتا تحديدًا، بل كانت أسفل الذيل. هذا يعني أنها لم تكن شفنين مانتا الشعاب المرجانية (Mobula alfredi)، وهو نوع شائع في هذه المياه، بل كانت شفنين مانتا المحيط (Mobula birostri)، وهي قريبتها الأكبر حجمًا والأكثر هجرة، كما أنها أول كائن من نوعه يُرصَد وهو يتغذى في "مضيق دامبير". كان هذا إنجازًا جديدًا في مكان يُطلِق عليه "مارك إردمان"، قائد رحلة الغوص الاستكشافية، اسم "مرجل التطور". يتميز إردمان، البالغ من العمر 58 عامًا، بطول قامته وابتسامته الصبيانية التي تتحدى لحيته الفضية الخفيفة، وهو ناشط في مجال صون البيئة البحرية، وقد اكتشف عشرات الأنواع الجديدة في البحار الإندونيسية. كما أنه يضغط على السياسيين لإعطاء الأولوية لحماية البيئة البحرية، وجمع تبرعات من كبار مانحي هوليوود لتمويل مشاريع طموحة في هذه المنظومة البيئية العريقة. ومع ذلك، فرغم دراسة إردمان مجموعة واسعة من الكائنات البحرية، إلا أن أسماك المانتا قد تكون المفضلة لديه. يقول: "إنها حيوانات ذكية للغاية"، وتمتلك أكبر دماغ بين الأسماك جميعها. "لا يقتصر الأمر على قدرتها على التمييز بين أسماك المانتا بحد ذاتها فحسب، بل نحن على يقين تقريبًا من قدرتها ع
لتتمكن من قرأة بقية المقال، قم بالاشتراك بالمحتوى المتميز
رحلة إلى سواحل عُمان تَغوص بالمصور "جيمس كوينلان" في لُجج قصة غير متوقعة، أبطالها تجمعات غير مكشوفة من قرش الحوت، وفريقٌ علمي عازم على كشف أسرارها.. قبل فوات الأوان.
في أرخبيل "راجا أمبات" الإندونيسي، طوَّع حُماةُ الطبيعة قطاعَ السياحة لإنقاذ أحد آخر النظم البيئية البكر في المحيط. لكن نجاحهم هذا يواجه اليوم منعطفًا جديدًا من التحديات.
كانت العلاقة الوطيدة بين بعض أقدم شعوب المحيط الهادي والبحار خيرَ مرشد لهم في رحلات كانت تبدو مستحيلة. واليوم صار الباحثون يستعينون بخلَف هؤلاء من المستكشفين المعاصرين الذين يهتدون بالنجوم وأمواج...