5 دروس تعلمتها من الغوص

غواص يستكشف كهفًا داخل منظومة "كاسا سينوتي" الكهفية في شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك. وتشتهر المنطقة بالبالوعات، وهي حفر مغمورة بالمياه الجوفية تجتذب السباحين والغطاسين والغواصين.

برًّا وبحرًا

لإنجاز "دليل الغواص إلى العالم: وجهات سفر رائعة للغوص فوق السطح وتحته"، سافر كل من كاري ميلر وكريس تايلور إلى 50 موقعًا في 35 دولة. ويكشف هذا الدليل عن تجارب غير عادية ونصائح عملية، وهو متاح في منافذ بيع الكتب.

5 دروس تعلمتها من الغوص

قد يبدو الغطس في أعماق البحار أمرًا مخيفًا. ولكن يمكنه أيضًا أن يغير طريقة تفكيرك.. وحياتك.

قلم: كاري ميلر

1 مايو 2023 - تابع لعدد مايو 2023

لقد أتاح الغوص لي رؤية العالم من منظور أوسع. وما زلت أتذكر اللحظة التي حدث فيها ذلك. فقد كنت حينها بصدد النزول عبر المياه الدافئة والصافية في "راروتونغا"، كبرى "جزر كوك" بجنوب المحيط الهادي، في خامس عملية غوص لي. غالبًا ما يساور القلقُ الغواصينَ معدومي الخبرة، وكذلك كان الأمر معي. فقد فحصتُ أجهزة القياس مرتين وثلاث مرات، وكنت أركز بشدة على شعور التنفس من خلال مُنظِّم، وكان القلق ينتابني وأنا أرتدي عُدّة الغوص التي تُشعر المرءَ برُهاب الأماكن المغلقة، وكنت أستخدم ذراعيّ لتوجيه نفسي عبر ذلك العالم الواسع الأزرق والغريب، مستهلكةً بإفراط طاقةً ثمينة. والحال أن الغوص ممارسة تتطلب الهدوء والاتزان في الحركة. وكنت حتى ذلك الحين لم أتعلم هذا الدرس بعد. ولكن بعد ذلك نظرت حولي وذُهلت من السكون المحيط بي. فقد وجدت نفسي في غابة ساحرة كأنها من عوالم القصص الخرافية. كان "البوريت"، وهو نوع من المرجان الصخري، ينمو كحبات الفطر العملاقة، فتلمع من حوله أسماك "ملاك قشر الليمون" و"ملاك اللهب" بألوانها الزاهية. وكانت أخاديد رملية تفرق بين البوريت كأنها شرائط من رمل أبيض تعلوها أسراب من الشفنين "العُقابي". وعلى مسافة أبعد من ذلك، تحولت الغابة إلى حديقة تستوطنها مستعمرات مرجان "مونتيبورا" كأنها وُريدات عملاقة توفر غطاءً لأسماك قرش الشعاب المرجانية "أبيض الطرف" أثناء استراحتها. لقد كنت شغوفة بالغطس طوال حياتي، ولكن لم تكن لدي أي فكرة عمّا كنت أفتقد. فكان ذلك أمرًا مستجدًا وغير متوقع. صارت كل عملية غوص منذ ذلك الحين بمنزلة اكتشاف جديد. ومن كل ما تعلمته من الغوص، أُقدم لكم هذه الدروس الخمسة.

1. لقاء أفضل الناس.
تجمع كل هواية مجموعة من الأشخاص؛ ويشكل الغواصون مجموعة منتقاة ومتنوعة. فقد غصت مع أطباء يُقدِّرون عالم ما تحت الماء بوصفه يوفر فرصة للترويح عن أنفسهم من متطلبات عملهم؛ ومع مرشدي غوص متنقلين آثروا التخلي عن الثروة والأمان ليمضوا حياتهم في حضن المحيط، ومع مهندسين يحدوهم شغف بأوجه الغوص التقنية. فلن يجد المرء من هؤلاء سوى الترحاب والمساعدة، كل بطريقته الخاصة. كان الغوص سببًا في ملاقاة زوجي "كريس تايلور". فقد كانت بذور لقائنا البحري الأول قد زُرعت عندما كنا أطفالا، في مينيسوتا بالنسبة إلي وفي اليونان بالنسبة إلى كريس. فقد كنا مهووسين في طفولتنا بأسماك القرش. وبعد نحو 30 عامًا، حصلت على مَهمة أحلامي في "ناشيونال جيوغرافيك" -موضوع عن الغوص مع القرش الأبيض الكبير- وفي هذه المَهمة، بأستراليا، التقيتُ كريس، الذي كان مشرفَ غوص ومروض قروش.

يوفر المحيط أكثر من نصف حاجتنا من الأوكسجين، ويمتص ثاني أوكسيد الكربون، وينظم مناخنا، ويدعم جزءًا كبيرًا من الاقتصاد العالمي.

2. لا خوف من رؤية أسماك القرش.
يخشى الغواصون عدم رؤيتها. فأسماك القرش تتمتع كلها بالجاذبية، بدءًا من قروش الشعاب المرجانية السريعة إلى القروش "الببرية" الغامضة. ووجود هذه الكائنات بالجوار أمر مثير ومذهل. وتمنح معظم أسماك القرش للغواصين مساحة واسعة. فحب الاستطلاع يغلب عليها في بعض الأحيان، ولكن في مئات المرات التي حالفنا فيها الحظ أنا وكريس في الغوص إلى جانب أسماك القرش، لم نمُر قَط بأي تجربة سيئة. وتعد أسماك القرش أيضًا بمنزلة تميمة: فوجودها بوفرة في منطقةٍ ما غالبًا ما يشير إلى وجود نظام بيئي سليم. وليس من قبيل المصادفة أن "محمية غالاباغوس البحرية" -وهي أحد أكثر المواقع التي تستوطنها أسماك القرش في العالم- هي أيضا إحدى أكثر المناطق البحرية المحمية تنوعا من الناحية البيولوجية، إذ تؤوي زُهاء 3000 نوع. ولكن حتى الأماكن المحمية كجزر غالاباغوس لا تَسلم من الدمار الناجم عن الصيد المحظور وغير المؤطَّر بقوانين وغير المبلَّغ عنه. ففي عام 2017، حُجزت في ذلك المكان سفينة صيد صينية تحمل نحو 300 طن من الأنواع البحرية المهددة بالانقراض؛ منها 6000 سمكة قرش يُحتمل أن تكون قد اصطيدت لأجل زعانفها. وعلى مَرّ الأعوام الخمسين الماضية، تراجعت أعداد القرش والشفنين في المحيطات بنسبة 70 بالمئة. ونحن بحاجة إلى هذه المفترسات. وقد حان الوقت لعكس الرواية السائدة والتركيز على أسماك القرش لا بوصفها كائنات خطيرة، بل مهددة بالانقراض.

3. اكتساب منظور فريد.
تؤكد كل صورة مأخوذة من الفضاء أننا نعيش على كوكب محيطي من مساحات شاسعة باللون الأزرق تطوق أشكالا متناثرة باللون البني المائل إلى الخضرة. ومن الغريب أن نسمي كوكبنا بـ "الأرض"، والحال أن أكثر من 70 بالمئة من سطحه مغطى بالبحار. لقد نشأتُ في عائلة تحب الطبيعة، لكن لم يتعمق وعيي بأهمية صون البيئة إلا بعد أن شرعت في ممارسة الغوص. فالبشر مخلوقات تميل إلى الرضا عن الذات إلى حد التسليم بأن الأرض -نظامنا المشترك لدعم الحياة- مُسَخرة على الدوام لخدمتنا، ما لم يَحملنا منظور جديد وعميق على تغيير وجهة نظرنا. ويَذكر رواد الفضاء أن شعورًا بالرهبة والانبهار ينتابهم عندما يرون جمال كوكبنا وهشاشته من أقاصي الفضاء الموحشة. وبصفتي من رواد البحار، فقد انتابني شعور من هذا القبيل. فقد زُرت "جزر كيراما" -على بعد نحو 35 كيلومترًا غرب أوكيناوا باليابان- حيث كنت أغوص وأتنقل بين النتوءات المرجانية التي تعج كلها بأشكال الحياة المرجانية. وكانت الأسماك تتجمع بالآلاف في أسراب، وثعابين البحر تطل برؤوسها من الرمال البيضاء الناصعة، فيما الروبيان "المنظِّف" يزيل الطفيليات عن الأسماك التي تنتظر دورها. وكان زوجان من أفاعي البحار "صفراء الشفاه" يسبحان برشاقة متناهية ليختفيا معًا في إحدى حفر الشعاب المرجانية. وقد ذكّرني هذا المشهد بمدينة نابضة بالحياة حيث ينهمك كل ساكن في نشاطه اليومي الاعتيادي، على غرار ما نقوم به نحن البشر. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه المدن المرجانية، في كثير من الأحيان، لا تخلو من تلوث، أو تئن تحت وطأة الاختناق بفعل النمو المفرط للطحالب، أو تَعلق في خيوط الصيد. وتسبح الشفانين وأسماك القرش أمام هذه الشعاب مع عدد من خطافات الصيد المتدلية من السطح. وتنجرف الأغلفة البلاستيكية عبر الماء العكر مع الجريان السطحي. وتواصل حياة الشعاب المرجانية امتدادها، لكن أشكالها تتضاءل؛ إذ يبدو العيش أصعب. كانت شعاب أوكيناوا هذه لا تزال في حالة جيدة نسبيًا، لكنها كانت محاطة برصاصات من عيار 50، خَلَّفتها الحرب العالمية الثانية. لقد منحني الغوص وعيًا بما تتسم به الحياة على كوكبنا من ترابط ودقة على نحو يفوق ما أدركته وأنا على اليابسة. هل اعتدتُ معاينة ما للبشر من تأثيرات بعيدة المدى في الأرض، حتى صرت راضية عن هذا المآل؟ ربما. لكن معاينتها تحت الماء هي كمن يتلقى ضربة موجعة.

اقرأ التفاصيل الكاملة في النسخة الورقية من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية"
أو عبر النسخة الرقمية من خلال الرابط التالي: https://linktr.ee/natgeomagarab

استكشاف

لعب الكبار.. ضــرورة

لعب الكبار.. ضــرورة

يميل الكبار إلى تجاهل اللعب بوصفه أمرًا سخيفًا أو طفوليًا، لكن المرح قد يكون أمرًا أساسيًا لبقاء نوعنا البشري.

مقابلة مع عالِم ونجم لموسيقى الروك

استكشاف فكرة نيرة

مقابلة مع عالِم ونجم لموسيقى الروك

يمزج "بريان ماي" -أحد مؤسِّسي فرقة "كوين" ومستشار وكالة "ناسا"- بين الفيزياء الفلكية وموسيقى الروك لخلق تناغم كوني.

جاذبية العزلة والمنعزلين

استكشاف فكرة نيرة

جاذبية العزلة والمنعزلين

يعيش سكان جزيرة سينتينل الشمالية على الصيد وجمع الثمار.. وصد الغرباء. ورغم ذلك، فإن العالم يرفض أن يتركهم وشأنهم.