الانبساط

تضم هذه السلسلة من الجبال والوديان بين ثناياها خاصية مدهشة: يمكنها أن تنضغط أو تنبسط بحركة واحدة. صمم "لانغ" مُجسَّم الأوريغامي الفسيفسائي هذا باستخدام ورقة واحدة، غير أن هذا النمط ظل يُستَخدم أيضًا في تحميل المصفوفة الشمسية على متن مركبة الفضاء اليابانية، والتي نُشِرت بعد إطلاق المركبة في عام 1995. تسمح طيّات الزوايا المتكررة للورقة بأن تستطيل وتتوسع في الوقت نفسه. وقد شرح عالم الفيزياء الفلكية "كوريو ميورا" هذا النمط المعروف باسم "ميورا أوري" (Miura-ori) في سبعينيات القرن الماضي وهو مشابه للأنماط الأخرى الموجودة في الطبيعة، مثل أوراق شجرة الزان المنبسطة.

في طي المستقبل

لطالما ألهم فن الأوريغامي المبدعين والفنانين. أما الآن فقد بات يشق مسارات جديدة في العلوم والتقنية بوتيرة سريعة ومذهلة.

الربط

تم طي هذا الأرنب من نمط ابتَكره "أوريغاميزر" (Origamizers)، وهو برنامج حاسوب صممه "تموهيرو تاتشي" من "جامعة طوكيو"، لإنشاء أشكال معقدة الأوجه (لاحظ مظهر الأرنب الشبيه بالفسيفساء). ساعد البرنامج في تحفيز الإطلاق الكثيف لنماذج الأوريغامي في الآونة الأخيرة. ويقول تاتشي إن هذه الأشكال المطوية "مثل لغة مشتركة"، تربط العلماء عبر التخصصات في جميع أنحاء العالم وتوضح الاحتمالات اللامتناهية التي تتكشف عندما يجتمع الفن بالعلم.

الرفـــع

كان "شوغوانغ لي" يلعب بمجسم أوريغامي أسطواني قابل للطي عندما وضعه -لمجرد التجربة- في كيس مفرغ من الهواء. كان "شوغوانغ" وقتها زميلًا في دراسات ما بعد الدكتوراه لدى "جامعة هارفارد" و"معهد ماساتشوسيتس للتقنية"؛ وقد سحب الهواء وتفاجأ برؤية مُجَسِّمه وهو يتقلص كما لو أنه ضغط عليه بيده. ومن خلال اختبار الأشكال الأخرى، أدرك أن أنماط الطيات وصلابة المواد تتحكم في طبيعة حركتها؛ وهو اكتشاف أدى إلى إنشاء أذرع آلية رقيقة وقوية وخفيفة الوزن. إذ تعمل كل ذراع مثل عضلة صناعية، مغلفة في كيس مفرغ من "الجلد" مع هيكل داخلي مستوحى من طيّات الأوريغامي. ومن خلال تغيير ضغط الجزء المفرغ، يمكن لشوغوانغ استعمال الذراعين في إنجاز مهام مفيدة، مثل الرفع والإمساك.

في طي المستقبل

قام الفنان والفيزيائي "روبرت جاي. لانغ" بتشكيل هذا المجسم لطائر الكركري من مربع ورقي واحد غير مقصوص. كان يُعتقد أن الوصول إلى تعقيد هذا المجسم -من أطرافه النحيلة إلى أجنحته التي يكسوها الريش- أمر شبه مستحيل. لكن لانغ، الرائد في تسخير الرياضيات في الأوريغامي، صمم هذا الطائر باستخدام مفاهيم هندسية تُشكل الأسسَ التي طور من خلالها برنامجًا يسمى "تريمايكر" (TreeMaker) في عام 1993 لاختبار إمكانية الاستعانة بأجهزة الحاسوب في تصميم الأوريغامي.

التلـغـيـز

لا يفهم علماء الرياضيات تمامًا مبادئ الرياضيات الكامنة وراء الانحناءات الأنيقة لهذا المُجسَّم، والتي تتشكل عند إضافة طيات منحنية إلى صفحات الورق الدائرية. "نحصل على هذه الأشكال ثلاثية الأبعاد المثيرة للإعجاب حقًا بواسطة عملية طي بسيطة للغاية"، يقول "إريك ديمين"، الأستاذ لدى "معهد ماساتشوسيتس للتقنية" الذي صمم نمط الطيات هذا مع والده، "مارتن ديمين"، لدى المعهد ذاته أيضًا. وأثناء انجذاب الأب وابنه إلى فن طي الورق بوصفه وسيلة لتطوير حيل سحرية جديدة، وقعا في حب المسائل الهندسية التي يطرحها فن الأوريغامي. لم تَحظ الطيات المنحنية بأي تطبيقات بعد، غير أن إريك يرى كثيرًا من الفرص الكامنة في بساطتها وقوتها المحتملة.

الاستكشاف

لدى "مختبر الدفع النفاث" التابع لوكالة "ناسا"، يقبع هذا القرص المتوسع في قلب النموذج الأولي المصغر لمظلة نجمية في مركبة فضائية قد تصبح جزءًا حيويًا من جهود البحث عن عوالم تصلح لعيش البشر فيها. تحوي مجرتنا عددًا من الكواكب يساوي عدد النجوم تقريبًا، لكن العلماء، الذين يعميهم الفضاء المتلألئ بضوء النجوم الساطع، لا يستطيعون في كثير من الأحيان مشاهدة هذه العوالم المدارية مباشرة. وقد يكون تحليق مركبة المظلة النجمية هذه بعيدًا أمام التلسكوب الفضائي لحجب ضوء النجوم عنه، عاملًا مساعدًا للعلماء في إلقاء نظرة واضحة إلى هذه العوالم.

الشفاء

تسمح الطيات الحلزونية لهذا الروبوت الصغير بالالتفاف أثناء انقباضه أو تمدده. وغالبًا ما يُطلق على هذه الطيات نمط "كريسلنغ"، نسبةٍ إلى خبيرة التصميم والمهندسة المعمارية، "بيروتا كريسلنغ"؛ إذ ألهمت طياتها اختراع المجسمات الأسطوانية الكبيرة والصغيرة، ومنها هذه الأداة الطبية الدقيقة. صمَّم هذا الجهازَ فريقٌ بقيادة "روكي رينيه زاو"، وهي مهندسة ميكانيكا لدى "جامعة ستانفورد"، وقد يكون يومًا ما أداة ضرورية في توصيل الأدوية إلى مناطق الجسم المستهدَفة. يمكن للمجالات المغناطيسية توجيه الروبوت للتحرك في أنحاء الجسم بطرق متعددة. على سبيل المثال، يؤدي الدوران إلى دفعها عبر السائل بفضل هندسة ثناياها [الحلزونية]. وتعمل المغناطيسات المزدوجة الموجودة في طرفي الأسطوانة المتقابلين على إجبار الطيات على الانضغاط، ما يؤدي إلى ضخ الدواء السائل إلى النقطة المطلوبة.

الطــفــو

في عام 2007، انتقل "أنطون ويليس" مباشرة بعد نيله درجة الدراسات العليا في العَمارة، إلى شقة في سان فرنسيسكو كانت ضيقة جدًا حتى إنه اضطر لوضع زورق الكاياك المفضل لديه في وحدة تخزين. غير أن مقالًا في مجلة عن فنان الأوريغامي والفيزيائي، "لانغ"، أعطته فكرة لحل مشكلة ضيق المساحة لديه: زورق كاياك قابل للطي. وشرع فعلًا في صياغة نماذج ورقية -في بعض الأحيان خِلسة في العمل- من ورقة واحدة متصلة للتأكد من أن القارب سيكون مانعًا لتسرب الماء. يقول ويليس، الذي أسس أخيرًا شركة (Oru Kayak): "ظل الأمرُ ردحًا من الزمن أشبَه بكرمشة ورقة لمعرفة كيف يمكن أن تُطوى على نفسها، ثم تلى ذلك تحسين تلو تحسين انطلاقًا من النمط الأصلي". تمتلك شركته اليوم خط إنتاج كاملًا من القوارب القابلة للطي التي يتم ضغطها في غضون دقائق ولا يتجاوز سعرها سعرَ الكاياك التقليدي.

في طي المستقبل

يعتمد هيكل المظلة النجمية على ما يسمى بالنمط الوامض، وهو نمط يسمح له بالانطواء في أسطوانة عند إطلاقه. أما عند تشغيله، فإن مظلته تنبسط على شكل قرص مسطح له بتلات مثل الزهرة.

في طي المستقبل

لطالما ألهم فن الأوريغامي المبدعين والفنانين. أما الآن فقد بات يشق مسارات جديدة في العلوم والتقنية بوتيرة سريعة ومذهلة.

قلم: مايا واي-هاس

عدسة: كريغ كاتلر

1 فبراير 2023 - تابع لعدد فبراير 2023

نبّهـــني نباح كلابي المتنافر إلى صندوق من الورق المقوى تم توصيله إلى أعتاب باب منزلي. في داخل الصندوق كانت هناك قطعة منفردة من البلاستيك المموَّج الأبيض وقد طويَت على شكل يشبه حقيبة سفر كبيرة. طفقَتْ كلابي تَشم هذا الشكل الصلد والصلب بفضول وأنا أُفرده على اتساعه الذي قارَبَ اتساع غرفة المعيشة في بيتي. وعندما دفعت الجزء المطوي إلى الخارج في أحد الجوانب، سمعت فرقعة عالية ومفاجئة.

هنالك هرعت الكلاب بحثًا عن مخبأ، مُصدرةً أزيزًا وهي تهرول على الأرضيات الخشبية، فيما كنت أبحث مذعورة عن أثر أي ضرر سببته هذه الفرقعة، وقلبي يسارع في الخفقان. لكن شيئًا لم يُكسر. وعلى خلاف ذلك، تحولت الحقيبة البلاستيكية فجأة إلى زورق كاياك كامل الحجم يربض في غرفة المعيشة. القارب، الذي ابتكرته شركة "أورو كاياك"، هو جزء من ثورة علمية وتقنية تستمد إلهامها من فن "الأوريغامي" (Origami) الذي يعود إلى قرون خلت. فما بدأ على شكل سعي لفهم قواعد الرياضيات التي تَحكم أنماط الطي، فتح إمكانيات لا تُصدَّق لتطويع شكل كل ضروب المواد وحركتها وخصائصها؛ لتدخل تطبيقاتها في منتجات من قبيل مرشحات أقنعة الوجه، وزوارق الكاياك البلاستيكية، وحتى الخلايا الحية. يقول "روبرت جاي. لانغ"، فنان الأوريغامي البارز الذي عمل سابقًا عالِم فيزياء متخصصًا في الليزر: "لا يمكنني مواكبة هذه الثورة. إنه حقل رائع للابتكار".

خرج فن الأوريغامي إلى الوجود في اليابان منذ القرن السابع عشر على أقل تقدير، غير أن الإشارات إلى ممارسة فن طي الورق ترجع إلى فترات أقدم في الزمن. في البداية، كانت نماذج طي الورق بسيطة -لأن الورق كان باهظ الثمن- وتُستخدَم في الغالب للأغراض الاحتفالية، مثل الفراشات الورقية المصمَّمة للذكور والإناث والمعروفة باسم "أوتشو" و"ميتشو" وتُزيّن زجاجات شراب "الساكي" في حفلات الزفاف اليابانية المسمّاة "شينتو".  ومع انخفاض أسعار الورق، انتشر استخدام الأوريغامي في تغليف الهدايا واللُّعب وحتى دروس الهندسة للصغار. بعد ذلك، وتحديدًا في منتصف القرن العشرين، أسهم فنان الأوريغامي الأكبر، "أكيرا يوشيزاوا"، في الارتقاء بطي الورق ليجعل منه أحد الفنون الرفيعة والجميلة. فقد بث روح الحياة والتفرد في كل تصميم ابتكره، بدءًا من الغوريلا ذو الوجه الصارم والعيون الغائرة والمحدقة وصولًا إلى الدغفل (صغير الفيل) الذي يلوح بخرطومه في سعادة غامرة. وبنشر يوشيزاوا كتابَه الأول عن الأوريغامي في عام 1954، ساعد أيضًا في تبسيط هذا اللون من الفنون وجعله في متناول الجميع؛ الأمر الذي أدى بدوره إلى ابتداع لغة يسهل فهمها تتكون من الخطوط المنقطة والمتقطعة والأسهم، أسهمت في بناء نُظم ما زالت مستخدمة حتى اليوم.

في أواخر خمسينيات القرن الماضي، ألهمت الأشكال الدقيقة التي صممها يوشيزاوا، الفنانة "توموكو فيوز"، التي أصبحت الآن إحدى أشهر مصممات الأوريغامي في اليابان. وكان والدها قد أعطاها كتاب يوشيزاوا الثاني عن الأوريغامي عندما كانت تتعافى من مرض الخُناق وهي طفلة صغيرة. وقد ابتكرت فيوز كل تصميم بطريقة منهجية، وهي مفتونة بالأوريغامي منذ ذلك الحين. تقول: "الأمر يشبه السحر. مجرد صفحة واحدة من الورق تتحول إلى شيء رائع".

ومن إنجازات فيوز الغزيرة، ذلك التطور الشهير الذي أحدثته في الأوريغامي المعياري الذي يستخدم وحدات متشابكة لإنشاء نماذج تتميز بمرونة أكبر وتعقيد محتمل. لكنها ترى أن عملها لا يتعلق بابتكار ما هو جديد بقدر ما يتعلق باكتشاف شيء موجود بالفعل، "مثل باحث عن الكنوز"، على حد تعبيرها. وهي تصف هذه العملية كما لو كانت تشاهد المشهد كله من بعيد، منقادةً وراء الورقة حيثما أخذتها. "وفجأة، تظهر أنماط جميلة".

اقرأ التفاصيل الكاملة في النسخة الورقية من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية"
أو عبر النسخة الرقمية من خلال الرابط التالي: https://linktr.ee/natgeomagarab

 

وحيـش يأبى الثبات

وحيـش يأبى الثبات

ترقُّبُ اكتشافات الديناصورات يعني أن وجهة النظر بشأنها لا تفتأ تتغير.

مــاذا لــو اختفــت الشمس.. الآن

استكشاف

مــاذا لــو اختفــت الشمس.. الآن

وُهِبنا في هذه الحياة، نحن البشر وسائر المخلوقات الأخرى، أشياء مجانية كثيرة؛ لعل من أبرزها ضوء الشمس. ولكن هل تساءل أحدٌ منّا يومًا عمّا سيحدث لو أن الشمس اختفت من حياتنا؟

لحظات مذهلة

لحظات مذهلة

يحكي مصورو ناشيونال جيوغرافيك، من خلال سلسلة وثائقية جديدة تستكشف عملهم، القصصَ التي كانت وراء صورهم الأكثر شهرة.