الأثر البيئي.. في نهاية الرحلة

عندما تنتهي حياة إنسان فيُطرح سؤال بشأن ما يجب فعله برفاته، هل ثمة حلول أَرفق بالبيئة من غيرها؟ يعطي أطراف هذا النقاش إجابات مختلفة. ينتقد أنصار مقابر صون الطبيعة الأثر البيئي للدفن التقليدي، حيث يُوضع الميت في تابوت، مع بطانة خرسانية، تحت الأرض. وعادةً ما تشتمل عمليات الدفن هذه على شواهد القبور وغيرها من المنتجات المتعلقة بالدفن والتي قد تُنقلَ آلاف الكيلومترات؛ ما يتسبب في انبعاثات على طول الطريق. ويُعد حرق الجثث بديلًا، ولكنه ليس خيارًا رفيقًا بالمناخ، كما يقول الخبراء: فعلى غرار الطريقة التي يتم بها إطلاق الكربون المخزَّن في الجذور عند قطع الشجرة، يُطلَق الكربون الذي يشكل جزءًا من جسم الإنسان في الغلاف الجوي عندما تُحرَق الجثة في حرارة 760 إلى 982 درجة مئوية عدة ساعات. وينتج عن عملية حرق جثة واحدة في المتوسط أكثر من 242 كيلوجرامًا من ثاني أوكسيد الكربون، وفقًا لتقدير شركة تقنيات حرق الجثث، "ماثيوز إنفايرمنتال سولوشنز". وعلى سبيل المقارنة، فإن المدافن الخضراء لدى مقابر صون الطبيعة تسمح لجذور النباتات بحبس الكربون الذي يطلقه الرفات البشري أثناء التحلل. —زاندر بيترز

شواهد طبيعيـة

إنْ لم تُستخدَم علامات إرشادية مثل شواهد القبور في مقبرة صون الطبيعة، فكيف سيَعرف الزوار مكان القبر الذي أتوا لزيارته؟ يعتزم المخططون لدى "محمية كايتي بريري" استخدام أعمدة تعداد معدنية تُعلَّق في أعلاها ميداليات صغيرة. وستُثبّت هذه الأعمدة في الأرض على مقربة من القبور، لكنها ستكون رفيعة كي لا تحجب مظهر المناظر الطبيعية للمحمية. وتقول دونوفان إنهم حريصون كذلك على اعتماد طريقة واضحة لمعرفة مكان دفن الجميع. ولذا ستُستخدَم إحداثيات نظام (جي. بي. إس.) بوصفها جزءًا من العلامات الدّالة على القبور؛ ما سيسمح لأصدقاء المتوفين وعوائلهم بتحديد مواقع القبور على هواتفهم الذكية، في حال كان عشب البراري طويلًا جدًا ولا يتيح تحديد هوية القبر. وتأمل المحمية أيضًا إنشاء ذكريات رقمية لكل شخص مدفون فيها؛ أو نعي عبر الإنترنت حيث يمكن لكل زائر أو عائلة أو صديق تخليد ذكرى عزيزهم المتوفى. —زاندر بيترز

فلنرقد مع الطبيعة في سلام..

يرى النشطاء البيئيون أن المقابر أداة طبيعية للحفاظ على الأرض.. ولكبح جماح الزحف العمراني.

قلم: زاندر بيترز

1 ابريل 2022 - تابع لعدد أبريل 2022

في ذروة سكينتها، يَسودُ "محمية إنديان غراس" في جنوب شرق ولاية تكساس هدوءٌ وصمت مطبِق. يَموج بساطها الربيعي بعشب البراري، حيث تتشبث الفراشات الملكية بزهور "البق السنانية" الصفراء وترفرف الطيور "الزرقاء الشرقية" فوقها. ومع حلول الصيف، تغمر الأمطار أراضيها الرطبة ومستنقعاتها الضحلة، حيث تتوقف حيوانات الوشق للشرب أثناء تجوالها بحثًا عن الأرانب "قطنية الذيل". احتل مركزُ أبحاث في مجال الكيميائيات الزراعية جزءًا من هذا الموقع حتى عام 2001؛ ثم جاءت "محمية كايتي بريري" لتحوّل الأرض إلى محمية طبيعية. تقول "إليسا دونوفان"، نائبة رئيس المحمية ومستشارتها القانونية العامة، إن المحمية ظلت منذ عام 1992 تصون ما يزيد على 7200 هكتار من أراضي تكساس التي كان من الممكن أن تتحول إلى مشروعات عمرانية. إذ شجعت المحمية على صون مروج الأعشاب الطويلة والأراضي الرطبة، والكائنات التي توجد بكثرة والأخرى النادرة، مثل ضفدع "جراد البحر" وسلحفاة "الدجاج الغربية". ويهدف أحدث مشروعاتها إلى استعادة الحالة الطبيعية للأرض وصونها على النحو الذي يليق بالأحياء.. والأموات معًا. تخطط دونوفان وزملاؤها منذ أعوام لإنشاء مقبرة تصون الطبيعة هنا. على صعيد الولايات المتحدة، لا يوجد سوى 12 مقبرة تقريبًا من هذا النوع، ويتعلق الأمر بأراضٍ متفرقة تُستَخدَم مساحاتها في الآن نفسه محميات طبيعية ومنتزهات ومدافن تراعي الجانب البيئي. وستكون هذه هي المقبرة الأولى من نوعها في ولاية تكساس. يشمل تصميم هذه المقبرة الرفيقة بالبيئة حاليًا 20 هكتارًا من الأراضي المخصَّصَة لما يسمى بالمدافن الخضراء. إذ لن تُستخدم التوابيت أو البطانات الخرسانية؛ كما لن يُحنَّط الموتى حتى لا تُستخدَم المواد الكيميائية الصناعية التي قد تكون ضارة. بل سيُكفَّن كل جثمان بأقمشة قابلة للتحلل قبل أن يوارى الثرى.
ويرتقي هذا النوع من المقابر بمشروع المدافن الخضراء إلى مستوى آخر. إذ تصون أرضُ المقبرة الموتى بجعل جثامينهم تتحلل بصورة طبيعية؛ وبالمقابل، يُسهم الموتى في حماية الأرض (بالقوانين العرفية التي تمنع انتهاك حرمة المقابر). ذلكم هو المخطط المُزمع تنفيذه على الأرض الواقعة إلى جانب "محمية إنديان غراس" ومكتب ميداني لصون الأرض، وهو مبنى أبيض غير مميز أُنشئ عند طرف بلدة صغيرة تدعى "وولر" وتقع إلى الشمال الغربي من مدينة هيوستن.
وبعيدًا عن وولر داخل المنطقة نفسها، يستمر الزحف العمراني في إنهاك الطبيعة؛ إذ يتجسَّد مدى الزحف العمراني المحموم على ضواحي هيوستن. فقد تنامى سكان بلدة "غريتر كايتي" من 81 ألف نسمة إلى أن أصبحت ضاحيةً مترامية الأطراف تضم أكثر من 309 آلاف نسمة بين عامي 1990 و 2020، وفقًا لبيانات "مجلس التنمية الاقتصادية في منطقة كايتي". وهو توجه متسارع قلّما يُظهر مؤشرات على التباطؤ؛ مما أجبر النشطاء البيئيين، مثل دونوفان وزملائها، على الإتيان بحلول مبتكَرة لمجابهة هذا التحدي. إذا نظرنا إلى الشمال من المكتب الميداني، فسنرى مزرعة تزيد مساحتها على 400 هكتار، اشتراها أصحاب مشروعات عمرانية وستصبح قريبًا منطقة سكنية. أما مُلّاك الأراضي المجاورون فقد أنشأوا منطقةَ مرافق بلدية، بوصفها خطوة أولى نحو إقامة بلدة فرعية جديدة. إلى الجنوب، قريبًا ستتحول الطريق السريعة المغبرة من طريق بمسارين إلى أخرى ذات أربعة مسارات لتلبية التدفق المتوقع لحركة المرور في المستقبل. تقول دونوفان عن الجهود المبذولة لصون أراضي المنطقة: "يبدو الأمر حقًا وكأنه سباق. هل يمكننا حماية الأرض قبل أن يأتي أحدهم فيقسّمها ليبني عليها مئات الآلاف من المنازل؟".

استوحى القائمون على إنشاء "محمية كايتي بريري" فكرةَ مقابر صون الطبيعة من مذكرات "كيت بريستروب" التي تحمل عنوان: "أنا هنا إن كنت بحاجة إلي". إذ تستذكر دونوفان كتابة بريستروب عن رفات شخص مجهول عُثِرَ عليه في الغابة. تَحلل جثمانه تدريجيًا، ونمت شجيرة إلى جواره ما لبثت أن تحولت إلى شجرة كبيرة تشابكت أغصانها مع الرفات. وقد نما إحساس الطمأنينة الذي بثه وصف بريستروب في دونوفان مثلما نمت الشجرة داخل الهيكل العظمي لذلك الشخص الميت. دَفَنت تلك الفكرة حتى توفي والدها بعد سبعة أعوام، يومَ وجدَت نفسها تفكر في ما بين الطبيعة والموت من اتصال. لبّت العائلة رغبة والدها بحرق جثمانه ليُحفظ بعد ذلك في مثواه الأخير إلى الأبد. وقد أنفقوا في ذلك آلاف الدولارات. تقول دونوفان: "كان [مثواه الأخير] أصغر من خزانة ملفات". لم تتقبل دونوفان تلك الفكرة.. ويبدو أن عددًا متزايدًا من الأشخاص يشعرون بالإحساس ذاته. وهم بذلك إنما يعيدون النظر في معنى الموت وما إذا كان هناك هدف يجب تحقيقه عند حدوثه؛ ويتجنبون تجارةً تُقدر بمليارات الدولارات لتنظيم الجنائز، آملينَ أن يعود رفاتهم إلى الأرض فيبذل لها العطاء كما أعطته قيد حياته. على أن مفهوم مقابر صون الطبيعة ليس جديدًا؛ بل تم تعديله وتحديثه ليتناسب مع عصرنا الحديث. ففي عام 1825، إذ تحولت العديد من الأراضي الزراعية الصغرى بالولايات المتحدة إلى مشروعات زراعية كبرى ذات نطاق صناعي، اشترى الناشط البيئي، "جورج بريمر"، أرضًا في ولاية ماساتشوسيتس للحفاظ على الوديان والأراضي الرطبة من زحف العمران. وفي وقت لاحق، دخل بريمر في شراكة مع آخرين لتحويل تلك الأرض إلى مقبرة؛ ما أدى إلى صرف أعين ذوي الأطماع العمرانية عنها. وكانت النتيجة، إنشاء "مقبرة ماونت أوبورن" المتاخمة لمدينتَي كامبردج وواترتاون بولاية ماساتشوسيتس. واليوم، لا تزال هذه المقبرة تشبه الأرض التي سعى بريمر إلى الحفاظ عليها، وإن كان ذلك في وجود عدد مهول من شواهد القبور التي تبرز من العشب الأخضر. تقول "كانديس كوري"، مديرة "مدافن ماساتشوسيتس الخضراء"، وهي منظمة غير ربحية تعمل على إنشاء أول مقبرة رفيقة بالطبيعة رسمية ومعترف بها قانونيًا في الولاية: "يَحْلو لي أن أنظر إلى 'مقبرة ماونت أوبورن' ليس بوصفها أول مقبرة ريفية فحسب، بل أيضًا لأنها كانت حقًّا شكلًا من أشكال صون الأراضي. وحتى يومنا هذا، يذهب الناس إليها هربًا من صخب المدينة". في العقود التي تلت إنشاء بريمر "مقبرة ماونت أوبورن"، غيّرت التقنيات الجديدة طريقة تعامل الأحياء مع الأموات.
ظهرت مهنة متعهد دفن الموتى بالولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية. وأصبح صون الجثث ممارسة شائعة لدى متعهدي الدفن الذين كانوا يبحثون عن وسيلة تمكن العائلات من توديع الجنود الذين قُتلوا خلال الحرب. لذا، كان قتلى الحرب يُحنَّطون ويوضعون في توابيت خشبية تُرسَل إلى منازلهم بالآلاف. وقد تعززت فكرة التحنيط هذه لدى الجمهور بسبب موكب جنازة الرئيس "أبراهام لينكولن".  فعلى مرّ 19 يومًا بعد اغتياله عام 1865، تُرك تابوته جاهزًا للفتح؛ إذ أبقى المحنطون على جسده مصانًا لتتمكن الحشود من إلقاء نظرة وداع إليه. وكما حدث في جل الأنظمة والعادات والصناعات التي تمس حياة الأميركيين، تغير تدبير الجنائز تغيرًا جذريًا منذ عهد لينكولن. إذ أضحت الصناعة الحديثة لخدمات ما بعد الوفاة تدرّ اليوم على هذا البلد أكثر من 20.5 مليار دولار سنويًا. وقد تصدى مناصرو مشروعات مقابر صون الطبيعة والمدافن الخضراء لذلك التوجه بإنشاء حركتهم الخاصة. ففي عام 1996 في مدينة ويستمينستر بولاية كارولينا الجنوبية، تم إنشاء أول مقبرة طبيعية في البلد على يد طبيب يُدْعى "بيلي كامبل" وزوجته "كيمبرلي". وقد أطلقا عليها اسم "محمية رامزي كريك"، ومنذ ذلك الحين تضاعفت مساحة أرض المقبرة عن مساحتها الأصلية التي كانت تبلغ 13 هكتارًا. وقال بيلي كامبل إن مثل هذه المرافق هي "أكثر من مجرد نسخ رفيقة بالبيئة للمقابر المعاصرة". إذ يعدّها "مساحات اجتماعية وبيئية متعددة الأبعاد لا تطغى فيها المدافن على الطبيعة الموجودة". وترى كوري ميزة أخرى مهمة: لدى المدافن الخضراء، يساعد الأحباء شخصيًا في "الاعتناء بموتاهم. وهو حق -حسب اعتقادي- يودّ الناس ترسيخه من جديد"، تقول كوري. في حديثها إلى كوري، وصفت "جوديث لوري"، رئيسة "مدافن ماساتشوسيتس الخضراء" والشريكة في تأسيسها، الجهودَ في سبيل إنشاء مدافن طبيعية ومقابر تصون الطبيعة بأنها مدرسة فكرية جديدة. تقول لوري: "لقد بدأ الناس حقًا في التفكير خارج صندوق الأفكار النمطية". توقفَت وهلةً عند إدراكها مفارقة صندوق الأفكار والتابوت، الذي هو صندوق أيضًا؛ ثم ضحكت.

استكشاف

الغابات  عماد الحيـاة

الغابات عماد الحيـاة

عالمةٌ تخوض رحلة وسط أشجار وُسِمَت للقطع، لتُبيِّن ما للغابات من دور حيوي في إنقاذ الحياة البرية والبشرية.. وإنقاذ كوكب يزداد حرًّا على حَرّ.

فلنرقد مع الطبيعة  في سلام..

استكشاف فكرة نيرة

فلنرقد مع الطبيعة في سلام..

يرى النشطاء البيئيون أن المقابر أداة طبيعية للحفاظ على الأرض.. ولكبح جماح الزحف العمراني.

هكذا تُصبح سمكةً..

استكشاف فكرة نيرة

هكذا تُصبح سمكةً..

مَهَّدَ اختراعُ "جاك إيف كوستو" -مع زميلٍ له- "الرئةَ المائية" السبيلَ للعلماء لسبر أغوار البحار.. وكذا لعامة الناس التواقين لاستطلاع هذه العوالم المائية.