د. فاوتشي: حياته وعمله

الصورة: Mark Thiessen

د. فاوتشي: حياته وعمله

تعود الصورة إلى عام 1984 وقد التُقطت لفاوتشي وهو يعمل لدى "المعهد الوطني لأمراض الحساسية والأمراض المُعدية".

د. فاوتشي: حياته وعمله

تعود الصورة إلى أربعينيات القرن الماضي وتُظهر "أنتوني فاوتشي" حين كان صبيًا صحبة والديه "يوجينيا" و"ستيفن"، وشقيقته "دينيس".

د. فاوتشي: حياته وعمله

أجرت ناشيونال جيوغرافيك مقابلات مع "أنتوني فاوتشي" حول تاريخه الشخصي ومسيرته المهنية ودوره خلال الأزمات الصحية، بدءًا من الإيدز إلى "كوفيد-19". وأثمرَ ذلك كتابًا (أُدرجت هنا مقتطفات منه) خُصِّصَت عائداته لدعم جهود صون الطبيعة، وفيلمًا وثائقيًا.

1 نوفمبر 2021 - تابع لعدد نوفمبر 2021

مقتطفات من كتاب ناشيونال جيوغرافيك، "توقع ما لا يُتوقَّع: عشرة دروس عن الحقيقة والوظيفة وسُبُل المضي قدمًا". 
ولدتُ عشية عيد الميلاد في عام 1940. وكما يروي والدي الحكاية.. تَصادَف أنّ طبيبَ التوليد الذي أشرف على والدتي خلال فترة حملها كان مدعوًّا لحفل رسمي. هنالك أتى أمي المخاضُ؛ وقد كان سريعًا على ما يبدو. فنقلها والدي إلى "مستشفى بروكلين"، وهو يتذكر دخول هذا الطبيب مرتديًا بدلة السهرة. وإذ كان عليه أن يدخل غرفة الولادة على وجه السرعة، فقد اكتفى بغسل يديه وارتدى زيَّ الجراحة على البدلة. ولطالما تمازحنا حول ذلك في المنزل؛ يا ترى كم شرَب قبل أن يأتي إلى المستشفى؟

كان سن "أنتوني فاوتشي" يقارب الخامسة في عام 1945، عندما أسقطت الولايات المتحدة القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي، ما تسبب بأضرار كارثية ودفع اليابان إلى الاستسلام للحلفاء.
لم أَنسَ قَطّ اللحظةَ التي رأيتُ فيها صورة الدمار الذي لحق هيروشيما، على الصفحة الأولى لصحيفة "نيويورك ديلي نيوز" كانت والدتي تقرأها. ولقد كنت في صغري ألعب ألعاب الحرب كان فيها الجنود الأميركيون هم الأخيار واليابانيون هم الأشرار؛ وعندما رأيت الدمار الحقيقي في اليابان، قلت في نفسي: "واو.. هذا رائع".
لكنني رأيت على وجه والدتي شيئًا حيَّرني في بادئ الأمر.. وما زلت أَذكرُ هذا المشهد داخل غرفة المعيشة في شقتنا بحيّ بروكلين رغم مرور عدة عقود: والدتي تجلس على الأريكة ناظرةً إلى الصحيفة وأنا أتطلع إليها من فوق ركبتها. كانت حزينة حقًا؛ فتلك لحظة حاسمة حين أدركت أننا يمكن أن نشعر بالتعاطف مع أشخاص مختلفين عنّا تمامًا.. بل حتى مع الأشخاص الذين هم ربما أعداء رسميون لنا.

كانت شقتنا في الطابق الأعلى من صيدلية والدي. دأبتُ على توصيل ما تتضمنه الوصفات الطبية من أدوية على متن دراجتي إلى جميع أنحاء الحي، وكانت شقيقتي تساعد في خدمة الزبائن داخل الصيدلية. كانت لدي دراجة هوائية مجهزة بسلّة في المقدمة؛ وكنت أقوم بالتوصيل سعيًا وراء نفحات نقدية، أجوبُ أنحاءَ الحي وأوقف دراجتي ثم أطرق الأبواب وأُسلّم الأدوية للزبائن، فينفحونني إكراميات بـ 25 سنتًا. كانت تلك إكرامية كبيرة في ذلك الوقت!
قابلتُ أصنافًا مختلفة من الناس، وأدركتُ ماهية المرض.. كنت أعرف أنهم مرضى من مظهرهم. كان ذلك أول معرفتي بالمرض والأدوية. ومن خلال مساعدتي في تدبير الصيدلية، تكونَت لدي صورة أفضل عن وحدة العائلة لأننا كنا جميعنا نعمل معًا.

أمضى فاوتشي طفولته المبكرة في حي بروكلين بنيويورك، داخل منطقة يصفها بأنها "99.9 بالمئة أميركية إيطالية". وكان أجداده الأربعة قد هاجروا من إيطاليا عبر جزيرة إليس، ثم انتقلوا من الجانب الشرقي الأدنى من مانهاتن لتنشئة عائلتيهما في بروكلين، حيث التقى والدا فاوتشي وتزوجا.
عندما كانت النوافذ تفتح خلال فصل الصيف، تعبق الروائح في كل مكان؛ ومعظمها يأتي من طهي صلصة الطماطم والنقانق. مع الوقت، أصبحت تلك الروائح جزءًا مني، حتى إني أستحضر ذكرياتها اليوم -بعد انقضاء عقود من الزمن- كلما تسللت الرائحة إلى أنفي؛ إذ تعود بي إلى الأماكن حيث نشأت وترعرعت.. فلا أستطيع منها فكاكًا. كان يراودني شعور معَين بالحرية: نسيم عليل وشمس مشرقة وخروج إلى الهواء الطلق في شوارع بروكلين. لقد كان المكان الأكثر أمانًا في العالم لأن جميع أصحاب المحلات كانوا يجلسون على كراسيهم الصغيرة أمام متاجرهم وهم يشاهدون الأطفال يمرون. ولم يكن أي أحد يجرؤ حتى في أحلامه الجامحة على تخيّل محاولة تخويف أي من هؤلاء الأطفال، لأن الحي بأكمله كان أشبه بفرقة حماية. فقد كنا نشعر بالأمان التام طوال الوقت. كانت طفولة سعيدة للغاية.

التحق فاوتشي بـ "مدرسة ريجيس الثانوية" المرموقة في مانهاتن وواصل دراسته في "كلية هولي كروس" التي كانت حينها مخصصة للذكور حصرًا، بولاية ماساتشوسيتس. وفي ذلك الوقت، كان يعرف أنه ماض في طريقه ليصبح طبيبًا.
خلال المرحلة الجامعية، كنت أعمل كل صيف مساعدَ بَنّاء (أحمل الإسمنت والطوب وأقوم بالتنظيف). كنتُ أعرف حينها أنني أريد الالتحاق بكلية الطب لدى "جامعة كورنيل"؛ ومن قبيل المصادفة البحتة، اُختِرتُ للعمل في بناء "مكتبة صامويل وود" في هذه الكلية بمدينة نيويورك. وفي أحد الأيام، قررت أن أستجمع شجاعتي للدخول إليها.
عندما جلس عمال البناء الآخرون فوق الجدار لتناول طعام الغداء -مغازلينَ الممرضات اللواتي يمررن بالمكان- صعدتُ الدرج ثم دخلت. نظرت إلى قاعة المحاضرات وأنا أقول لنفسي: "واو، هذا مذهل". وفجأة، تقدم نحوي حارس الأمن الواقف لدى الباب -وكان ضخم الجثة- ثم قال: "هل يمكنني مساعدتك أيها الصبي؟" صبي.. لقد خاطبني بالصبي. 
فقلت: "أنا ألقي نظرة إلى المكان".
ثم قال: "لقد علقَت الخرسانة بكامل حذائك. فَهَلّا خرجت؟ نظرت إليه نظرة لا تخلو من سخط، وقلت: "يومًا ما، سأصبح طالبًا في كلية الطب هذه".
حدجني بنظرة وجهه المتصلب وقال: "نعم أيها الصبي. يومًا ما، سأصبح مفوض شرطة مدينة نيويورك".
لكن بعد مرور عام على ذلك، أصبحت طالبًا هناك. يجدر بالطبيب معرفة الطبيعة البشرية بقدر ما ينبغي له معرفة علم وظائف الأعضاء البشرية. فالأمر الأهم في رعاية المريض هو التعاطف معه؛ فعلى الطبيب أن يهتم به بوصفه شخصًا، لا مجرد رقم أو شخص سيدفع فاتورة أو شخص من بين عدد من الناس.

دعوني أقدم لكم مثالًا شخصيًا على التطورات والتغيرات الهائلة التي يمكن أن تحدث من دون إرادة المرء ويمكنها أن تؤثر تأثيرًا عميقًا في اتجاه مساره المهني وفي حياته.
ففي عام 1968، أتممتُ تكويني الطبي في مجال الطب الباطني لدى "مركز كورنيل الطبي" في "مستشفى نيويورك". وفي العام نفسه، كان علماء الصحة العامة المرموقون.. يرون بل يصرحون أمام "الكونغرس الأميركي" بأنه مع ظهور المضادات الحيوية واللقاحات وتدابير الصحة العامة، كانت الحرب على الأمراض المُعدية قد كُسبت، وينبغي أن نركز جهودنا على مجالات أخرى من البحث والصحة العامة.
ووفقًا لتصاريف القدر، كنت في ذلك الوقت ماضيًا نحو بدء زمالة للتدريب في مجال الأمراض المُعدية لدى "المعاهد الوطنية للصحة". وأتذكر أنني كنت أفكر، وأنا أقود سيارتي من مدينة نيويورك إلى حيث المعاهد في مدينة بيثيسدا بولاية ماريلاند، في الكلمات التي قالها هؤلاء النقاد الحكماء؛ فأَقَلُّ ما يقال هو إنني كنت أشعر ببعض التردد بشأن اختياراتي المهنية. إذ كان لسان حالي يتساءل: هل أنا بصدد الالتحاق بتخصص فرعي ماض نحو الاندثار؟
لحسن حظ مسيرتي المهنية، ولسوء حظ العالم أنه حتى من يتعاقبون على منصب كبير أطباء الولايات المتحدة ليسوا دائمًا على صواب. فبعد 13 عامًا -أي في عام -1981 ظهر وباء الإيدز وغيّر حياتي المهنية.. إن لم يكن حياتي كلها. ينبغي للمرء أن يكون مستعدًا في أي لحظة لدخول أي منطقة مجهولة، ولتوقع ما ليس في الحسبان، والسعي قدر الإمكان إلى اغتنام الفرص.

كان فاوتشي يعمل بصفته أحد الباحثين الرائدين في علم المناعة وأمراض المناعة الذاتية لدى "المعاهد الوطنية للصحة" في عام 1981، عندما دخل مرض معدٍ غير معروف دائرة اهتمامه. فقد أفادت الدورية العلمية، "التقرير الأسبوعي عن الأمراض والوفيات" الصادرة عن "مراكز مكافحة الأمراض واتّقائها" أن خمسة رجال مثليين من لوس أنجلوس لم تكن تظهر عليهم علامات أو أعراض أمراض مزمنة أصيبوا بالتهاب رئوي نادر جدًا يسمى "الالتهاب الرئوي بالمتكيسة الجؤجؤية" (Pneumocystis pneumonia).
اطّلعتُ على تلك الدورية عندما كنت جالسًا في مكتبي الصغير بالطابق الحادي عشر من "المركز السريري" لدى "المعاهد الوطنية للصحة"، في يوم صيفي حار خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو. آنذاك كنت أَدرس الأدوية التي تثبط جهاز المناعة، وكنا نكتشف حالات للالتهاب الرئوي بالمتكيسة الجؤجؤية. فقلت: "ثمة شيء غريب يحدث هنا"، ثم وضعت الدورية في درج مكتبي.
بعد مرور شهر، أي في الخامس من يوليو 1981، وجدت عددًا آخر من الدورية على مكتبي. وكان العدد في هذه المرة 26 رجلًا. وعلى نحو مثير للدهشة، كانوا كلهم مثليين، لا من لوس أنجلوس فحسب، بل أيضًا من سان فرنسيسكو ونيويورك؛ ولم يكونوا مصابين بالالتهاب الرئوي بالمتكيسة الجؤجؤية فحسب، بل أصيبوا أيضًا بـ "ساركومة كابوزي"، وهو ورم، ونوع من السرطان يظهر لدى الأشخاص الذين أصيب جهازهم المناعي بأضرار بالغة.
وأتذكر أني ألقيت نظرة إلى ذلك التقرير وانصرفت لحالي وأنا أقول لنفسي: يا إلهي، هذا مرض مُعد مستجَد. سرَت قشعريرة في أوصالي. فلم تكن لدي أي فكرة عن سبب الإصابة، لكنني كنت أعرف أنه يدمر جهاز المناعة. وبصفتي طبيبًا وعالمًا تلقّى تدريبًا في مجال الأمراض المُعدية وعلم المناعة، استقرّت في ذهني فكرة أن هذا المرض وُجد من أجلي تحديدًا. هنالك اتخذت قرارًا بتغيير مسار بحثي تمامًا. وكنت قد حققت نجاحًا باهرًا في مسيرتي المهنية؛ فما كان من أساتذتي -وهم الأشخاص الذين وظفوني هنا منذ سنوات- إلا أن نعتوني بالجنون، قائلينَ: "كيف تتخلى عن مسار واعد لتطارد مرضًا يُعَد محض مصادفة؟". لم يزدني ذلك إلا تصميمًا على المضي قدمًا. فقد أحسست بأنني ملزم بتفسير الأمر للعالم. لسوء الحظ، اتضح أنني كنت على حق. فقد تحول المرض إلى أحد أكثر الأوبئة إثارة للحيرة في تاريخ حضارتنا. كان رهاب المثلية سائدًا عند تفشي مرض الإيدز. ولمّا كنت أُمضي جلّ وقتي مع رجال مثليين مرضى، كنت أعاين رهاب المثلية في المجتمع.. وكنت الطرف المتلقي لهجمات معاداة المثليين، بحكم أنني طبيبهم. لا أرى أنه كان بداخلي أي عنصر من عناصر رهاب المثلية أو حتى أي فكرة عن ذلك. وأعتقد أن الأمر يعود إلى والديّ وتسامحهما مع الآخرين. لقد كان التعاطف مكونًا مهمًا في تنشئتي داخل العائلة؛ وترسخ ذلك وتقوّى خلال تدريبي اليسوعي لدى المدرسة الثانوية وفي الكلية. ولطالما شعرت بتعاطف تجاه الأشخاص الذين كانوا يعامَلون معاملة غير منصفة. ألا يكفيهم ما يقترن بهويتهم؟ لقد طبع الحيف المقترن بذلك موقفي بشأن ما كان عليه رهاب المثلية وما هو عليه الآن. فقد كان يغضبني رؤية أناس يتبَنّون هذا الموقف. وجعلني ذلك مدافعًا عن حق الشخص في أن يكون على ما هو عليه.

أنا لا أخاف من أشياء كثيرة. ولكن أكثر ما يقلقني هو عدم الحصول على فرصة لإتمام الأمور التي بدأتها منذ عقود وإضفاء اللمسات الأخيرة عليها. فأودُّ أن أشهد نهاية تحدي الصحة العامة الحاسم في مسيرتي المهنية، وهو الإيدز، بوصفه وباءً. كان الكل يعتقد.. أننا نستطيع علاج الإيدز أو القضاء عليه. واتضح أن المَهمة صعبة للغاية وقد تكون مستحيلة في واقع الأمر. فأنا لا أعتقد أننا سنقضي على الإيدز -حقيقةً، أدرك أننا لن نستطيع ذلك- لكنني أعتقد أنه يمكننا القضاء عليه تدريجيًا في جميع أنحاء العالم. أولًا في البلدان التي تمتلك الكثير من الموارد، ومنها البلدان النامية؛ وبعد ذلك -في نهاية المطاف- في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.. وأخشى ألّا أشهد ذلك بالضرورة. لكن آمل أن أشهد ذلك. وأعتقد أنني سأفعل.

تبوَّأ فاوتشي من خلال عمله في "المعاهد الوطنية للصحة" وضعًا أَعَدهُ على نحو فريد لمواجهة جائحة "كورونا": فقد سبق له العمل في إطار جهود العلاج والوقاية المتعلقة بفيروس "زيكا" و"إيبولا" و"الجمرة الخبيثة" و"الإنفلونزا الوبائية" و"نقص المناعة البشرية" و"السل" وغيرها. لكنه يدرك تمام الإدراك قصر ذاكرة الجمهور. يُقال إننا نتعلم من التجربة، ولكن كيف يمكننا التأكد من صحة ذلك حقًا؟
أعتقد أنه كلما ابتعدنا زمنيًا عن حدث جلَل، فإن تأثيره يخف. في عام 1918، أثناء جائحة "الإنفلونزا الإسبانية"، كان والدي يبلغ من العمر ثمانية أعوام. ولَدَي اليقين أن الرعب الذي ساد في تلك الفترة (عام ونصف العام) أثر فيه وهو يَدرج نحو سن المراهقة والعشرينات والثلاثينات من عمره. وبعد ذلك ربما أصبح الأمر أقل وطأة، لكنه لم يغب عن باله قَطّ.
أما بالنسبة إلى من قرأوا عنها بوصفها قصة عابرة في أحد كتب التاريخ، فلن يكون لها التأثير نفسه لدى من عايشها هناك أو كانت له صلة وثيقة بمن عايشها..
انتهت الحرب العالمية الثانية عندما كنت في الخامسة من عمري. ولا يمكن بعد 40 عامًا أن يستوعب أشخاصٌ ما سيحكيه لهم جنودٌ عادوا من هذه الحرب، عن التجارب التي مروا بها؛ إذ لا شك سيتساءلون: ما معنى أنكم كنتم في مكان غزوتم فيه جزيرةً وقُتل 10 آلاف من أصدقائكم؟
لا أعتقد أن عدم الفهم يُعد قصورًا، بل إن ذلك هو ديدن الحياة. فما لم يكن المرء مرتبطًا بشيء ما ارتباطًا مباشرًا، فإنه لن يعني له الكثير. إن وباء "كوفيد-19" مغاير لِمَا شهدناه في الأعوام الـ 102 الماضية. 
وينبغي ألّا يغيب عن بالنا أننا لم نكن مستعدين كما كنا نعتقد أو كما كان يجب. لذا فلنبدأ بالقول: "لن يتكرر ذلك أبدًا. لن ندع هذا الأمر يحدث مجددًا". إن ما أخشاه عندما نخرج من هذه الجائحة هو أن الناس سيميلون بعد خمسة أعوام على الآن، وعشرة أعوام على الآن، إلى نسيان -أو تجاهل- كيف أحكمت هذه الجائحة قبضتها على العالم. إنهم سينسون.
وأقول ذلك مع شعور لا يخلو من إحباط: إننا كنا دائمًا على وعي تام بالفوارق الصحية. فنحن ندرك دائمًا أن الأميركيين من أصل إفريقي والمتحدرين من أصل إسباني يلقون معاملة مجحفة في حالة الإصابة بالأمراض. وقد أضحى العبء الذي يتحملونه على نحو غير متناسب جرّاء "كوفيد19-" باديًا للعيان.
فلنتعهد بفعل شيء ما حيال ذلك في العقود الثلاثة أو الأربعة المقبلة. يبدو الأمر رائعًا. ولكن بعد خمسة أعوام على الآن ستظهر مشكلة أخرى، وسننسى "كوفيد-19". عملتُ مع سبعة رؤساء على مدار 11 ولاية رئاسية. وأدركت منذ اللحظة الأولى أن مآلي سيكون الفشل إن كنت، مع كل ولاية رئاسية جديدة، أخشى عدم تكليفي بالعودة إلى منصبي مرة أخرى.. وكذلك إنْ كنت أخشى قول شيء من شأنه أن يزعج شخصًا ما. فلا أحد يريد أن ينزعج رئيس الولايات المتحدة منه.
خلال إدارة "ترامب"، كنت بين الحين والآخر أقول شيئًا لم يكن يعجبهم، وبعد ذلك أُستبعَد من التلفزيون مدة أسبوع أو نحو ذلك. لكنني كنت أعود دائمًا. لم أكن أريد أن أُحرَم من ذلك. ولم أكن أريد أن أحرَم من توجيه الرسائل المباشرة للجمهور الأميركي.
كنتُ و"دونالد ترامب" نقَدِّرُ بعضنا بعضًا. لا أعرف.. ربما لأن نيويورك كانت الشيء المشترك بيننا.. وقد أنشأنا، كما وصف كلانا ذلك حسب ظني، علاقة مثيرة للاهتمام، علاقة جيدة. لكن كان علي، غير ما مرة، عندما ندخل إلى المؤتمرات الصحافية، تعديل شيء قاله. بدا أن الأمر يسير على ما يرام على نحو مدهش، حتى بدأت الأمور تزداد توترًا. ومع ذلك، عندما كنت أراه بعد يومين في المكتب البيضوي، نبدو كما لو أننا أصبحنا رفقاء مرة أخرى. لا أعتقد أنه كان يزدري العلم متعمدًا أو بخُبث، ولكن أعتقد أنه لم يكن يرى أن الأمر على جانب من الأهمية. فلا يُعد ذلك ازدراء، بل عدم اكتراث..
شعرتُ أن وظيفتي هي أن أبذل كل ما بوسعي لإخراجنا من هذا الوباء. لذا، لم تكن مغادرة منصبي خيارًا لدي، بل إن الخيار الوحيد الذي كان أمامي هو أن أغتنم الفرصة، في ذلك المكان، لمخالفته. لم أجد بُدًّا من الصمت -وهو أمر كان من شأنه أن ينتهك مبادئي- أو المغادرة.. وبعدها لن يكون بوسعي فعل شيء نافع مرة أخرى. فشعرت أن الطريقة الوحيدة التي يمكنني من خلالها الحفاظ على النزاهة العلمية هي الجهر برأيي.
وكان من الواضح أن رسالتي للجمهور الأميركي تتعارض مع رسالة ترامب؛ لذلك سمَح للكتائب المحيطة به بمحاولة تقويض مصداقيتي. ومن ناحية أخرى، كانت تربطنا تلك العلاقة المُهمة والمعقدة؛ لذلك لا أعتقد حقًا أنه كان يريد أن يؤذيني. أظن أنه كان في حيرة من أمره بإدراكه -في أعماق نفسه- أن ما كنت أقوله صحيح. كان يُقَدّرني، لكن ما كنت أقوله كان غير مقبول لديه.

من الأمور التي لا تزال تشعرني بحيرة تامة هو عدم تقبل بعض الناس في الولايات المتحدة لمرض "كوفيد19-" بوصفه مشكلة حقيقية. فبعض الأشخاص يعتقدون أن هذه خدعة، وأن هذا شيء مختلق لسبب أو لآخر؛ والحال أن الحقائق غنية عن البيان. وأعدّ ذلك مؤشرًا على وجود بعض الجراح الأساسية في هذا البلد والتي تحتاج إلى علاج. أدرك أن الأشخاص الذين لديهم هذا الشعور ينظرون إلي ويقولون إنني مجنون. لكن أنا آسف؛ أتحداهـم في هـذا الشـأن. فمن الجنون الاعتقاد بأن الأمر ليس حقيقيًا.

آمل أن يرى المؤرخون في مساري، إذا ما استحضروا ما قمت به في حياتي، مسارَ التزام بإحداث تأثير إيجابي في المجتمع. وقد حققت بعض النجاح في فعل ذلك. وربما يعود شخص ما بعد أعوام عديدة على يومنا ليقرأ عن هذا الأمر فيقول، لقد كان هذا الرجل خيِّرًا للغاية.

استكشاف

الغابات  عماد الحيـاة

الغابات عماد الحيـاة

عالمةٌ تخوض رحلة وسط أشجار وُسِمَت للقطع، لتُبيِّن ما للغابات من دور حيوي في إنقاذ الحياة البرية والبشرية.. وإنقاذ كوكب يزداد حرًّا على حَرّ.

فلنرقد مع الطبيعة  في سلام..

استكشاف فكرة نيرة

فلنرقد مع الطبيعة في سلام..

يرى النشطاء البيئيون أن المقابر أداة طبيعية للحفاظ على الأرض.. ولكبح جماح الزحف العمراني.

هكذا تُصبح سمكةً..

استكشاف فكرة نيرة

هكذا تُصبح سمكةً..

مَهَّدَ اختراعُ "جاك إيف كوستو" -مع زميلٍ له- "الرئةَ المائية" السبيلَ للعلماء لسبر أغوار البحار.. وكذا لعامة الناس التواقين لاستطلاع هذه العوالم المائية.