فُلك نجاة للزرافات

بعد إجلاء زرافات "روثشايلد" من أرض مهددة بغمر مياه الفيضانات، ستعيش هذه الحيوانات على محمية للحيوانات البرية تبلغ مساحتها 18 ألف هكتار.

فُلك نجاة للزرافات

هددَ ارتفاع منسوب المياه موئل الزرافات في كينيا، فقرر أعداء الأمس التعاون على نقل هذه الحيوانات الضخمة على متن فُلك نجاة من العصر الحديث.

قلم: آني روث

عدسة: آيمي فيتالي

1 مايو 2021 - تابع لعدد مايو 2021

كان هناك زمنٌ بدا فيه السلام بين قوميّتي "البوكوت" و"الإيلتشاموس" مستحيلا. إذ كانت المجموعتان قد أمضتا عقودًا على طول سواحل بحيرة "بارينغو" الكينية في الاقتتال على الماشية والأراضي والمياه؛ محوّلتين إحدى مناطق كينيا الأكثر تنوّعًا بيئيًا إلى ساحة قتال قاحلة. ولكن في عام 2006، توصّل شيوخ "البوكوت" و"الإيلتشاموس" إلى صلح، بعد صراعهما المرير. واتفقوا على أن بناء الوحدة والصلح يتطلب من عدوَّي الأمس أن يتعاونا على استرجاع الحيوانات البرية التي كان الصراع قد نفّرها، بدءًا من زرافات "روثشايلد". وللعلم فإن هذه الزرافات آخذة بالتناقص، إذ لم يبقَ منها في البراري سوى قرابة 2000 زرافة، تعيش 800 منها في كينيا. وكانت زرافات روثشايلد -المعروفة كذلك باسم زرافات "بارينغو"- فيما مضى موجودة بكثرة حول بحيرة "بارينغو"، لكن هذه السلالة المميزة انقرضت من المنطقة بعد عقود من الصراع والصيد الممنوع.
وبدافعٍ من توقهما إلى رؤية الزرافات تعود إلى موئلها، شرع أفراد مجتمعَي "البوكوت" و"الإيلتشاموس" في العمل؛ فكانت النتيجة أن أسّسوا خلال عام واحد "محميّة روكو"، وهي محمية مجتمعية بمساحة قدرها 18 ألف هكتار يعمل فيها كلٌّ من "البوكوت" و"الإيلتشاموس". يقول "ريبي سيبَيْه"، مدير المحمية المنتمي إلى مجتمع البوكوت: "لم يكن الأمر سهلًا؛ لكن كلا الطرفين كان حريصًا على التغيير". في عام 2011، حصلت المحمية على مجموعتها الأولى من زرافات روثشايلد؛ إذ تم نقل ثمانٍ منها من مناطق أخرى على أمل أن تتكاثر وتُعمِّر المنطقة مجددًا بنسلها. وقد وُضعت الزرافات على شبه جزيرة ضمن "بارينغو" لتكون محمية ضد ممارسي الصيد الممنوع. وقد اجتذبت عودةُ هذه المخلوقات السيّاحَ إلى "بارينغو"؛ ما أعطى الاقتصاد المحلي دعمًا كان شديد الحاجة إليه. وبذلك غدت الحيوانات المنقولة إلى شبه الجزيرة وذرّيتها المولودة هناك "رمزًا للسلام والوحدة، ومصدرًا لثراء المجتمع المحلي"، على حد قول سيبَيْه.
ولكن، بعد أعوام من الوئام، حلّت الكارثة. إذ أُمطر القومُ بمطر طوفاني، فأغرقت مياه الفيضانات أنحاء كثيرة من محافظة "الوادي المتصدّع" الكينية، ومن ضمنها منطقة محافظة "بارينغو". وبحلول عام 2020، كانت مياه البحيرة المتصاعدة قد شرّدت أكثر من 5000 إنسان ودمّرت المدارس والمستشفيات والمنازل. وحوّلت الفيضانات شبه الجزيرة التي تقطنها الزرافات -والبالغة مساحتها 40 هكتارًا- إلى جزيرةٍ أخذت تتقلّص بسرعة. فوجدت الحيوانات نفسها عالقة بلا طعامٍ كاف، بل ولم يكفِ الطعام حتى عندما أحضر حرّاس الغابة بعضه إليها من البرّ الرئيس؛ فكانت النتيجة أن نفق عدد من الزرافات، منها البالغ ومنها الصغير، بزحف المياه إلى مستويات أعلى. ورغم ابتلاء "البوكوت" و"الإيلتشاموس" أصلًا بجائحة عالمية وكارثة طبيعية، فقد انبريا لإنقاذ الزرافات الثماني المتبقية. وبعد تقليب النظر في جميع الخيارات المتاحة، بدا لهما أن أفضل فكرة، وإنْ كانت لا تختلف عن الأفكار الأخرى في كونها صعبة وخطرة، هي تحميل كل زرافة على صندل (مركب نقل) يقطُره مركبٌ أصغر إلى البرّ الرئيس. 
وليس من السهل فعل ذلك مع حيوان بري يبلغ طوله 5.5 متر فأكثر وقد يتجاوز وزنه وزنَ سيارة كبيرة. يقول "ستيفن تشيغِه"، وهو طبيب بيطري متمرّس يعمل لدى "مؤسسة أراضي المراعي الشمالية"، وهي مجرّد واحدة من بضع مجموعات شاركت في مساعي نقل تلك الزرافات: "عرفتُ من اللحظة الأولى أن العمل سيكون عويصًا وحسّاسًا على حدٍّ سواء". لا عجب؛ فالزرافات لا تستجيب جيدًا للمهدّئات. فلطالما عُرف عن الزرافات المخدّرة أنها تَشرق بِريقها؛ كما أن مواصفاتها الجسدية الفريدة تجعل رقبتها وأرجلها عرضة للإصابة بسهولة. لذا فقد وجد تشيغِه والمنقذون الآخرون عملية إنقاذها عصيبةً للغاية. وقد استعمل أبناء مجتمعي "البوكوت" و"الإيلتشاموس" الأسطوانات المعدنية والقضبان الحديدية والأقمشة المشمّعة لبناء صندل متين بما يكفي لنقل الزرافات عبر البحيرة. كما أنهم أنشؤوا ملاذًا منيعًا يحميها ضد الحيوانات المفترسة، بمساحة 1800 هكتار على البرّ الرئيس، حيث يمكن للزرافات التأقلم مع بيئتها الجديدة.

كانت أول زرافة من المقرر إنقاذُها، أنثى تدعى "أسيوا". وكانت قد أمضت معظم عام 2020 وحيدة، بعد أن قسمت المياه الصاعدة الجزيرةَ شطرين، عازلةً الزرافة عن بقية قطيعها. وكان لدى المنقذين أمل في أن يغروها بصعود الصندل بثمار مانغو وغيرها مما تستلذه هذه الحيوانات، لكنهم أخفقوا عندما حاولوا ذلك؛ إذ بدت "أسيوا" غير مهتمّة بها. يقول "ديفيد أوكونور"، رئيس منظمة "أنقذوا الزرافات الآن" غير الربحيّة: "كانت جَفولةً جدًا؛ إذ إنها لم تكن تفهم أننا نحاول مساعدتها". قرر المنقذون تسكين "أسيوا" وعصب عينيها وتركيب أحزمة تثبيت عليها كي يتاح لهم سوقها إلى متن الصندل. كانت الخطة تنطوي على مخاطرة، إذ في حال سقطت "أسيوا" في الماء، فإن غرقها في حكم المؤكد. وعندما أصابتها الطلقة المسكّنة، أخذت تجري بعكس اتجاه الصندل، لكنها -وبكلمات أوكونور نفسه- فقدت وعيها "على بعد ما يقارب 30 سنتيمترًا عن الماء. وبذلك كنا محظوظين للغاية".
وما إن أصبحت "أسيوا" طريحة الأرض حتى حقنها المنقذون بعقار مُبطلٍ لعمل المُسَكّن، وبحشر قِطَع قماش في أذنيها، وعَصب عينيها، وتركيب أحزمة تثبيت عليها صُنعت على عجل. وعندما نهضت الزرافة منتصبة على قوائمها، حلّ الهدوء في المكان، حتى إنك لتكاد تسمع دبيب النمل؛ إذ "كان الجميع عندها يراقب الموقف بأعصاب مشدودة"، على حد قول أوكونور. وقد قاد المنقذون "أسيوا" خلال أرض الجزيرة الوعرة وصولًا إلى الطرف الآخر ومن ثم إلى متن الصندل. كانت حركتها بطيئة في البداية، ولكن ما إن انتظمت خطاها حتى "بدت العملية أشبه بشخصٍ يمشّي كلبه في ظهيرة يوم أحد في الحديقة العامة"، على حدّ وصف أوكونور. وعندما بلغوا الصندل، خطت "أسيوا" إلى متنه، فأغلق المنقذون البوابة من ورائها وهم يتنفّسون الصعداء. وقد وصف أوكونور الزرافة بأنها كانت "هادئة تمامًا" طوال الرحلة التي امتدّت ساعة إلى البرّ الرئيس، حيث كان حشد من "البوكوت" و"الإيلتشاموس" بانتظارها. عندما وصل الصندل إلى الساحل، أزال المنقذون سدادتي الأذنين وأحزمة التثبيت وعصابة العينين، وأطلقوا سراح "أسيوا". وإذ خطت أولى خطواتها خارج الصندل ووطئت أرض الملاذ، أخذ الحضور يصفقون بحرارة. يقول سيبَيْه: "كان ذلك حلمًا تحقق؛ وعمّت السعادة الجميع". 
وفي وقت قريب من رأس السنة الميلادية، وُلدت زرافة على الجزيرة، وأُطلق عليها اسم "نويل". وبعد "أسيوا"، أُنقذت زرافتان أخريان: اضطُرّ المنقذون لتخدير إحداهما، وكانت أنثى تدعى "باساكا". أما الزرافة الأخرى، وهي ذكر يدعى "لبارنوتي"، فقد اجتُذبت بالطعام إلى متن الصندل. وفي الأشهر القليلة التي تلت ذلك، توقع المنقذون أن ينقلوا آخر زرافات الجزيرة إلى موئلها الجديد على البرّ الرئيس. وصحيحٌ أن المهمة شاقّة، ولكن، كما يقول سيبَيْه: "حيثما يحلّ السلام، فكل شيء ممكن".

هكذا يمكنكم المساعدة:

تدعم منظمة "Save Giraffes Now" (أنقذوا الزرافات الآن) المساعي المباشرة لحفظ الطبيعة ميدانيًا في إفريقيا، بدءًا من عمليات الإنقاذ وانتهاءً بعمليات إعادة التوطين. للتبرّع، الرجاء اتباع الرابط التالي: savegiraffesnow.org/donate أبلغ صديقًا.. كثيرون هم من لا يعرفون أن الزرافات مهددة؛ إذ كانت أعدادها قد تهاوت بما يقارب 40 بالمئة خلال 30 عامًا فقط (2015-1985). 

استكشاف

الباطون... كيف يساهم في انبعاثات غازات الدفيئة؟

الباطون... كيف يساهم في انبعاثات غازات الدفيئة؟

يحتوي الأسمنت،على الكلنكر كمكوّن رئيسي يتم إنتاجه عن طريق تسخين الحجر الجيري والطين في الفرن. وتطلق عملية التسخين هذه انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.

توقعات إنتاج الطاقة الأحفورية غير متناسبة مع أهداف المناخ

استكشاف ما وراء الصورة

توقعات إنتاج الطاقة الأحفورية غير متناسبة مع أهداف المناخ

حذر التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من خطر الوصول إلى عتبة 1,5 درجة مئوية بحلول عام 2030 أي قبل عشر سنوات مما كان متوقعًا.

الجذام يهاجم الشمبانزي

استكشاف ما وراء الصورة

الجذام يهاجم الشمبانزي

للمرة الأولى يكشف باحثون عن إصابة الشمبانزي البري بمرض الجذام، بأعراض تشبه تلك التي تصيب البشر.