الاحتفال في زمن الجائحة

الاحتفال في زمن الجائحة

لا نفتقد حميمية الإجازات إلا عندما نكون في أمس الحاجة إليها. لكن حتى الأوقات العصيبة -على كآبتها- تقدح شرارات المحبة وتبعث ومضات النور والأمل.

قلم آن لاموت

1 ديسمبر 2020 - تابع لعدد ديسمبر 2020

في بعض الأحيان ندع الأشياء تفلت من أيدينا، وأحيانًا تُسلب الأشياء منا، وأحيانًا أخرى تنكسر الأشياء أمامنا، كالحياة والقلوب وأنماط عيش بأكملها. ألا يشعر عالمنا بالانكسار في زمن "كوفيد-19"؛ ولعل وقع ذلك يكون أشد عند حلول المناسبات الدينية؟ إذا أصغينا لصوت الحكمة، فإننا نتجنب التجمعات الكبيرة، وتناول العشاء داخل البيوت صحبة العائلة والأصدقاء القدامى، وأداء الشعائر داخل مساجدنا ومعابدنا وكنائسنا؛ لذلك نحرم أنفسنا من التجمعات المبهجة والطقوس المطبوعة بالخشوع في هذه الأوقات الموسومة بآثار الوباء المدمرة حيث نكون في أمس الحاجة إليها. لكن ألا يعني ذلك أننا نفقد ما توفره لنا الاحتفالات من تنشئة وترابط وبلادة مقدسة؟ بإمكاننا أن ننغمس تمام الانغماس في ما هو مقدس حتى عندما نحافظ على سلامتنا وسلامة أحبائنا. ومن الممكن ألا يكون الانكسار هو نهاية العالم، بل قد يكون بداية جديدة، وبوابة للعبور.
لنبدأ بما نعنيه بكلمة "مقدس".
تُشتق هذه الكلمة من معاني تفيد الاكتمال، والسلامة من أي إصابة، والصحة، والتمام. فأنا لا أشعر دائمًا بصحة تامة خلال هذه الأيام، بل غالبًا ما ينتابني شعور بالهلع والحزن والغضب والتعب الوجودي والتذمر. ولكَم أتوق الآن إلى وجود عليقة مشتعلة؛ لكن اللحظات المقدسة لا تُستمد حصريًا من الجانب الديني -حسب فهمي- بل تنسج خيوطها من خلال الحياة. فاللحظات المقدسة ليست عرضًا احتفاليًا كبيرًا، بل غالبًا ما نشعر بها في ما أوتينا من نِعَم صغيرة؛ على الرغم من أنه ينبغي للمرء الانتباه لالتقاط أهمية اللحظة. وهنا يكمن جوهر المشكلة. فالقدسية توجد من حولنا، وفوق رؤوسنا، وتحت أقدامنا، وداخل ذواتنا طوال الوقت. وبالتالي، فهي حاضرة، لكننا غالبًا ما نخلف موعدنا معها. ولربما يلزمنا أن نعيد النظر في تعريفنا لما هو مقدس وتام ومعافى. فالصباح الباكر مقدس. والمقدس هو الدفء الذي نشعر به من صاحب محل البقالة، أو حفيدنا، أو سلة طماطم من حديقة جارك. وأنا معافاة نوعًا ما، وأكبر سنا، وأبطأ حركة، وبي آثار من عوادي الزمن.
واللحظات المقدسة هي شموع الشمعدان السباعي، أو منشدو ترانيم عيد الميلاد، أو مشعلُ نارٍ تحيط به جماعة من الناس في الهواء الطلق. وهذه الأيام هي أيام مجيء النور: الدفء، والاستنارة، والحياة من جديد. انتصار النور على الظلام، كما هو الحال في التقليد الفارسي في الاحتفال بليلة "يلدا": الاجتماع بالأحبة على ضوء الشموع والنار، وقراءة الشعر وسرد القصص -والطقس الضروري المتمثل في تناول الأطعمة الخاصة- احتفاءً بأطول ليلة في العام، وتسمى "ليلة الميلاد". ونحن عند تلك النقطة. فهي لحظة جميلة وصعبة كما هي الحياة في كثير من الأحيان. والمعاناة جزء من جمالية الدراما البشرية. (أكره ذلك).
وقد يبدو تلمّس اللحظات المقدسة وسط الضياع وكأنه صحوة روحية. وقد تكون عودة متباطئة إلى الطقوس التي درج أناس محيطك على ممارستها منذ آلاف السنين -فأسلافنا كانوا يؤدونها دائمًا، فلنؤدها نحن أيضًا- أو طقوسًا جديدة يبتكرها أحباؤك (كالألعاب النارية أو الملابس الرسمية..). كل هذه الأمور تتيح الارتباط بالعالم الأكبر والأكثر واقعية، وبالعالم القديم، وبالخلود والمصادر النيرة حاليًا. فالطقوس تملأ أرواحنا وبطوننا، حيث تلهينا وتعاود توجيه تركيزنا وتفعمنا بالحيوية. لكن ماذا لو لم يكن إلا أنت وعدد قليل من الناس، هل سيرهقك اثنان منهم؟ إن كل شيء -نظام حياتنا برمته، وعائلتنا، وسفرنا- يصل إلى نقطة التوقف. لذلك إذا لاقينا الانكسار، فمن أين نبدأ الإصلاحات؟ يتمثل أحد الحلول الممكنة في الطريقة التي كان يصلح بها اليابانيون القدماء، الفخَّار المكسور بوضع الذهب على المواضع التي تم إصلاحها. فعدم الإقرار بانكسار شيء ما، هو إهانة له. وإصلاحه هو بمنزلة تقدير له. ومن ثم، يضفي لحم وطلاء هذه المواضع بالذهب جمالية أكبر على الأشياء المكسورة. فتزيَّن الشقوق حتى تبرز بشكل جلي (تلك هي الطريقة التي يدخل بها الضوء، كما يقول "ليونارد كوهين").
ولقد انكسر العالم. فما الذهب؟
على المستوى الظاهري، الذهب هو التقدير الذي يأتي من الاهتمام المصحوب بالامتنان لِمَا تبقَّى: نحن نشيد بالأشياء الكبيرة، وهِبات الحياة، والحب، والطبيعة. لكن لا تنس النوافذ الجميلة، وكتبك، ومجموعة الأشياء المنسقة التي تصلنا بالذكريات والأشخاص. أرفع عيني لا نحو الجبال والنجوم فحسب، بل نحو الأشعة التي تنسل إلى غرفة جلوسي، نحو المنظر المرتسم خارج النوافذ. وأستمتع بالهواء النقي عندما أفتحها؛ فهو البيت نفسه. كل هذا يوسع نطاق الدائرة التي أعيش فيها.
ومع ذلك، أتوق إلى جماعاتي المحبوبة، وعائلتي، والإنشاد والصمت المقدس في الكنيسة، والحشد المتنوع من الأشخاص الذين يشاركوننا طعام العشاء. أشعر بالحنين إلى اللمس. وأفتقد جو الاحتفالات، والذبذبات المفيدة في خضم الأوقات العصيبة، بل وحتى ضوضاء الاحتفالات الصاخبة. فالأصوات الصاخبة تخيف الأرواح الشريرة. وأشد ما أفتقده اليوم هو الجلد (الملمس البشري). لكن لا يمكننا السفر جوًا لأي مكان ولا حتى قيادة السيارة إلى بيـت قــريبي الريفي أو إلى منزله المتنقل.

وعندما أُترَك لحالي، تغمرني مشاعر الخوف. لكنني لم أُترَك لحالي: فلي أصدقاء ولي خيال. فحينما حلت جائحة "كوفيد19-"، شُبِّه لي أول الأمر أننا صرنا الكواكب التي نسكن فيها. فقد صار بوسعنا أن نضفي بعض القدسية على بيوتنا، حيث نقبع مع ذواتنا الصغيرة القلقة ومع هؤلاء الذين نقاسمهم مكان الحجر ممن سيحرقون آخر ما تبقى لنا من أعصاب (لن أذكر الأسماء)، لكن رسم هذه الصورة الخيالية كانت مهمة صعبة بالنظر إلى وضعي الحالي. لذلك خُيِّلَ لي منزلي كإحدى علب أعواد الثقاب التي كان الأصدقاء يقدمونها لي على مر السنين، وتحتوي على رموز الأمل والإيمان: لفافة "أوريغامي" ورقية، وباقة منسقة من أزهار "الجريس" اليابسة، وقلب. ثم أقمت أماكن مقدسة حول المنزل: ريش ليذكرنا برحلات الطيران وانعدام الوزن والنعمة. وشيء لفظه البحر إلى الشاطئ وخضَّته المياه ليتحول إلى شيء جميل بفعل الاضطرابات. ويمكننا نصب مكان مقدس على الجزيرة داخل المطبخ -والذي، إذا كنت مثلي، هو المكان الذي غالبًا ما نجد أنفسنا داخله- أو داخل علبة أعواد ثقاب محمولة.
إن الحياة تود أن تذكرنا دائمًا بذاتها المقدسة، لكن علينا أن نفتح أعيننا وقلوبنا. صحيح أن شعرنا يبدو بحالة مزرية، ولا نتمتع بمظهر جيد، ونكره رفيقنا، وما كان ينبغي لنا أن ننجب أطفالا، لكن.. لذلك أقدر السقف الموجود فوق رأسي. وتوجد رقعة تطفح بالخشخاش والأعشاب الضارة بالخارج في الوحل الصخري. نبات الخشخاش هو بمنزلة فوانيس للنور في مواجهة الظلام، وللخير في مواجهة الشر. فأوقد فانوسك بحب الذات. ولتدع أنوارك تشع.لا أستطيع الإحساس بدفء الجلد لدى كثير من الناس، لكن لدي الوشاح الذي حاكته خالتي، والقبعة التي تركها لي جدي، وأول صندوق أدوات جمعه لي العم في عيد ميلادي الثامن ولو أنني كنت فتاة. فهذه الأشياء هي بقدسية التماثيل والمفروشات نفسها التي نراها في المساجد والمعابد وقاعات التأمل الجماعي ومعابد "الأشرام" الهندية، ونتركها جانبًا لاستحضار الحب.
وغني عن القول إننا نعلق صور الأشخاص الذين نحبهم ونفتقدهم: وشيجة الارتباط متينة جدًا، وأعمق من التواصل الجسدي، وأعمق بكثير من مستوى الحديث. فهذا الارتباط يكمن في كمال الروح، ونظام الشعيرات الدموية، وفي أثير النفس والذكريات. وغني عن البيان أيضًا أننا نعزف موسيقانا المقدسة أو نستمع إلى جرس الهواء الذي هو بمنزلة نسمات هواء تتجسد للعين. ثم نلتقط الهاتف، أو ندخل إلى موقع "زووم"، وبترتيب مسبق، في ليلة رأس العام الجديد، أو مع بداية يوم السبت، أو الانقلاب الشمسي، نتواصل. فنقول: "مرحبًا". وكما اعتدنا أن نأتي بأبهى حُلل إلى حفلات الزفاف والجنائز، فإننا أيضا نفعل ذلك حاليًا عند حضورنا الافتراضي عبر الهاتف، أو عند مشينا في الحي، مرتدين أقنعة الوجه الواقية، وملوحين بأيدينا.
وأيًّا كان المجال، فمن الممكن أن يكون ثمة إحساس بالتواصل المباشر. فلقد أزالت الحياة بعض الأسلاك الشائكة من صعوباتنا العاطفية -وهو أمر رائع- ونحن نُقدّر ما تبقى. ونحن نتواصل بالعين مع بعضنا بعضًا؛ مما يسمح لنا بالبكاء معًا.. في تحالف بين أعيننا، ويا لها من حميمية! ونبرة أصواتنا هي العلاج الذي يتسرب إلى أوردتنا عبر منفذ صدورنا عندما تكون قلوبنا مفتوحة. لي جسدي حيث أعيش، ومكان الاشتغال، والسرور، والألم، والراحة. أقدم لنفسي ما أود تقديمه لأي شخص غريب: حمام ساخن، وبرقوق، وكلمات لطيفة.
إن معنى هذا الوباء هو أننا جميعًا ضعفاء ومترابطون. ونحن نتقاسم هذا الوضع على امتداد الكرة الأرضية: بوذيون، ويهود، ومسلمون، وهندوس، ووثنيون، ومسيحيون، وملحدون. وهذا أكبر بكثير من الفيروس لأن الحب والاهتمام أكبر من أي شيء آخر؛ بل أكبر حتى -أو على نحو خاص- من المعاناة. فهما يدفعان الفيروس بعيدًا عن مساره، هنا وهناك؛ مما يترك لنا مساحات يمكننا التسلل من خلالها.
وحتى عندما نشعر بالوحدة أو الفراغ أو الحزن أو الغضب، فيمكننا التسلل من خلال هذه الفجوات إلى ما كنا نتوق إليه دائمًا: الحضور الفعلي، لا الهدايا. وهو ما سيدعمنا؛ فلنبتهج ونتغذى.. إلى أن يحين الموعد لنكون معًا من جديد. 

استكشاف

يوم الكلب.. وأيـام أخـرى

يوم الكلب.. وأيـام أخـرى

إذا كنا نحب الأيام التي تحتفي بشيء ما، ونحب الحيوانات؛ فلا عجب أننا نحب الأيام التي تحتفي بالحيوانات.

شعائر للأمان..  ومآرب أخرى

استكشاف فكرة نيرة

شعائر للأمان.. ومآرب أخرى

يشير بحث جديد إلى أننا طورنا ممارسات وأنماط سلوك اجتماعية لدرء التهديدات المشتركة الناشئة عن الأخطار والأمراض.

150 سلحفاة بحرية تعود إلى موائلها بعد إعادة تأهيلها في أبوظبي

استكشاف فكرة نيرة

150 سلحفاة بحرية تعود إلى موائلها بعد إعادة تأهيلها في أبوظبي

عملية إطلاق ناجحة لـ 150 سلحفاة بحرية تم إعادة تأهيلها وعلاجها قبل إعادتها مجددًا إلى مياه إمارة أبوظبي.