عند الحديث عن الأردن، سرعان ما تتبادر إلى الذهن كنوزه الأثرية الشهيرة كالبتراء والمدينة الرومانية في جرش، أو الطبيعة الساحرة لوادي رم والبحر الميت.
27 سبتمبر 2025
عند الحديث عن الأردن، سرعان ما تتبادر إلى الذهن كنوزه الأثرية الشهيرة كالبتراء والمدينة الرومانية في جرش، أو الطبيعة الساحرة لوادي رم والبحر الميت. غير أن ثمة جانبًا آخر لا يقل سحرًا عن هذه المواقع، ألا وهو عالم السياحة الزراعية والغذائية الذي يتيح للزوار فرصة فريدة للغوص في حكايات الأرض والمطبخ الأردني. فبفضل المبادرات التي يقودها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، والاتحاد الأوروبي، أُعطيت دفعة قوية للتكامل بين الزراعة والسياحة على نحو أكثر حيوية، مقدمةً تجارب أصيلة للجميع. وهذا الجانب يحمل نكهة وروًحا وتقاليد نابضة: إنه الطعام الأردني، بوصفه نافذة لفهم الناس والأماكن.
استمتع بالتقاليد
عند وصولك إلى عمّان، يمكنك أن تبدأ جولتك بأبسط الطرق: تذوق الأطباق الشعبية في قلب العاصمة. لا تفوّت تجربة ساندويش الفلافل الساخن وأطباق الفول والحمص على الإفطار، مع احتساء الشاي بالنعناع. لن يقتصر الأمر على المذاقات الشهية فحسب، بل ستشعر بالدفء والحفاوة التي باتت بصمة مميزة للشعب الأردني. وبمجرد أن تُشبع فضولك في الأحياء القديمة، ستكتشف أن نجاح المطبخ المحلي ينبع من ارتباطه الوثيق بالأرض والمزارع الصغيرة التي تزوده بمنتجات طازجة. تخيل تذوق الخبز الطازج من فرن تقليدي عمره قرون، أو قطف الزيتون من بساتين وادي الأردن، أو تَعَلُّم أسرار المنسف من عائلة محلية تستقبلك كواحد من أفرادها.
من التجارب التي لا يمكن تفويتها هي زيارة إحدى المزارع النموذجية المنتشرة في مناطق كالأغوار أو مرتفعات عجلون. هناك، ستتعرف من قرب على أساليب الزراعة التقليدية، بدءًا من قطف الخضراوات والفواكه الطازجة وصولًا إلى مراقبة مراحل إنتاج الألبان والأجبان المحلية. بعض المزارع تمنح لزوارها فرصة المشاركة العملية في الأنشطة الزراعية، ما يمكنك من عيش تجربة حقيقية تلامس روح المكان وتراثه. هنا، تلتقي التقاليد القديمة بممارسات الاستدامة الحديثة في بيئة ترحب بالزوار وتقدم لهم لحظات لا تنسى، من قطف التين الناضج تحت شمس الصيف إلى حلب الماعز من أجل صنع الجبنة برعاية واهتمام.
ذكرى ستبقى معك
من التجارب الممتعة أيضًا، التوجه جنوبًا نحو محافظة الكرك لتذوق طبق المنسف، رمز الضيافة الأردنية بلا منازع. يعد المنسف الوجبة الوطنية في الأردن، ويتكون من لحم الضأن المطبوخ في صلصة الجميد (لبن مجفف) ويُقدم مع الأرز. عند زيارة إحدى العائلات أو المضافات في الكرك، ستُفاجأ بالاحتفاء الكبير والتمسك بالعادات والتقاليد التي ستستشعرها منذ اللحظة الأولى لوضع طبق المنسف في وسط المائدة. إنه أكثر من مجرد طعام؛ فهو عنوان للكرم وسرد لتاريخ طويل من الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية.
السياحة الزراعية ليست مجرد تجربة أطعمة متنوعة، بل هي أيضًا وسيلة لدعم المجتمعات الريفية، وخاصة المبادرات التي تقودها النساء والتي تربط المسافرين بالطبيعة والتقاليد. في كثير من القرى، تتخصص الجمعيات النسائية في إنتاج الأعشاب المجففة، والمربيات، وزيت الزيتون، ودبس الرمان، وغيرها من المنتجات المحلية. ستلاحظ إصرار هؤلاء النساء على الحفاظ على الوصفات التقليدية ونقلها إلى الأجيال القادمة، وفي الوقت نفسه السعي إلى توسيع فرص التسويق محليًا وعالميًا. وعندما تزور مثل هذه الجمعيات، ستكتشف منتجات طبيعية تحمل قصص الأجداد والأرض والعادات التي ما زالت حية حتى اليوم. إن زيارة هذه المبادرات لا تقتصر على شراء منتجات عالية الجودة، بل تعني أيضًا المساهمة المباشرة في الحفاظ على التقاليد العريقة ودعم النساء اللواتي يعملن بلا كلل لحماية الهوية الغذائية والثقافية لبلادهن.
يستثمر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في مستقبل السياحة الزراعية بالشراكة مع منظمة الأغذية والزراعة التي تقدم التعاون التقني بدعم من الاتحاد الأوروبي، بهدف تعزيز الاقتصادات الريفية وتنويع مصادر دخل المزارعين. من خلال ربط السياح بحياة المزارع والمجتمعات الريفية وزيادة اهتمامهم بالمنتجات والخدمات الزراعية والغذائية التي يقدمونها، يمكن للمنتجين خلق فرص بيع مباشرة، وزيادة الوعي، وتحسين الوصول إلى الأسواق مع تعزيز سلاسل القيمة الخاصة بهم. تعزز هذه المبادرة النمو المستدام والشامل من خلال ربط الزراعة والضيافة لتوفير فرص عمل، وتمكين المرأة والشباب، والحفاظ على الموارد الطبيعية، مع توسيع نطاق السياحة الزراعية بصفتها قطاعًا قابلًا للتطور.
إن دمج التجربة السياحية مع الحياة اليومية للمزارعين والمجتمعات الريفية يخلق قناة مباشرة لدعم صغار المزارعين وتمكين المجتمعات المحلية. والأهم من ذلك، أن هذه الجهود لا تتوقف عند المستوى الاقتصادي، بل تشمل أيضًا خارطة طريق طموحة لتطوير السياحة الزراعية في الأردن. تركز هذه الخارطة على إرساء البنية التحتية لخدمة الزوار، وتدريب الكوادر المحلية في مجالات الضيافة وإدارة المشاريع، وزيادة وعي المزارعين بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية النادرة. كما تنضم هذه الجهود إلى تعاون بين القطاعين العام والخاص مع الجهات المعنية في الإنتاج الزراعي، والعاملين في السياحة ومقدمي خدماتها جنبًا إلى جنب مع السلطات الوطنية.
وعند رغبتك في اكتشاف بُعدٍ آخر من التنوع، يمكنك خوض تجربة صنع الجبنة من حليب الأغنام أو الماعز، أو الانطلاق في مسار جبلي لقطف الأعشاب البرية التي تدخل في مكونات أطباق شعبية تقليدية. إن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل السياحة الزراعية في الأردن رحلة ثرية بالمعرفة والمشاعر؛ فهي تدمج ما بين أصالة الموروث الشعبي وروح الضيافة والتكيف مع التطور الحديث.
إن الجمع بين الزراعة والسياحة ليس مجرد توجه اقتصادي، بل هو سردٌ لتراث غنيٍّ ومتنوع. فعندما تتذوق في نهاية يومك طبقًا تقليديًا أعدهّ المزارعون بأيديهم، وأنت في قلب مشهد طبيعي يُطل على جبال أو وديان خلابة، تشعر بدفء التجربة وتدرك المعنى الحقيقي للاتصال بجذور المكان. لذا، عندما تكون في زيارة إلى الأردن، فلا تكتفِ بمشاهدة الآثار والتجول في الأسواق القديمة؛ بل ابحث عن المزارع والقرى التي تفتح أبوابها بكل حب. ستغادر مُحَمَّلاً بالقصص والذكريات التي ستبقى معك مدى الحياة.
بعد عُقود من الاهتمام بالكائنات العملاقة فقط، تخرج الأحياء الدقيقة أخيرًا إلى دائرة الضوء؛ فصرخة الباحثين لإنصاف الكائنات المجهرية تجد أخيرًا آذانًا مصغية لتبدأ حقبة جديدة من التوازن البيئي الشامل
أول مستكشف عربي يطرق أبواب الفضاء العميق
في جميع أصقاع العالم، يعمل مصممو دروب التنزه بهدوء على توظيف تقنيات مبتكرة تُثير الدهشة. ولعلك شعرت بتلك الرهبة من قبل من دون أن تعرف السبب. فمِن وراء هذه التجربة، يقف عِلم إبداعي يَقلب موازين...