فخّـار الليـل

في "سان ماركوس تلابازولا"، وهي قرية لشعب "زابوتيك" الأصلي تشتهر بتقاليدها الخاصة في تصنيع الفخار الأحمر، تنهمك "ماريا كروز لوبيز" في صنع قالب "كومال"، أو صينية. وتتنوع منتجات الأواني الفخارية في أواكساكا، ما بين الفخار الأسود والأحمر والأخضر.

فخّـار الليـل

صُنِع إبريق "بارتولو" هذا لدى تعاونية "كوليكتيفو 1050°"، ويتميز بجماليته وفعاليته الوظيفية؛ وفي ذلك عودة إلى الجذور التراثية لصناعة الفخار الأسود.

فخّـار الليـل

حِرفة عريقة في المكسيك تعود إلى الواجهة بوصفها بديلًا مستدامًا للمصنوعات البلاستيكية.

قلم: راشنا ساشاسينغ

عدسة: ماريسيو إرثال غارسيا

1 مارس 2022 - تابع لعدد مارس 2022

تقول الأسطورة إن في صلصال أرض قرية "سان بارتولو كويوتوبك" بَركة. أما أسرار بَركته فهي محفوظة في صدور الحِرَفيين الذين يستخدمونه لصنع فخار "أواكساكا" الأسود الشهير المعروف محليًا باسم "بارو نيغرو". ولكنّ الحِرَفيَ "أماندو بيدرو مارتينيز" -البالغ من العمر 66 عامًا- كسر تلك القاعدة. رُحتُ أراقبه والشرر يتطاير من الفرن الطيني في ورشته، إذ مَدّ يديه الملفوفتين بقماش واقٍ إلى جوف الفرن الذي لم يبرد تمامًا بعد، فسحب صحونًا ملساء قاتمة السواد، صحنًا تِلو صحن. في البدء، كانت هذه الأواني، المصنوعة من صلصال استُخرج من منحدرات "سييرا مادري"، بلون الطين الرطب. وبعد تعرضها للحرارة والدخان في الفرن، تَحول لونها إلى درجات الرمادي اللامع والأسود، وكأنها السماء وقت الغسق. فلا عجب أن تسميها حكايات "الزابوتيك" الشعبية، "فخار الليل".
ويصون "بيدرو مارتينيز" تقاليد هذه الحرفة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2500 عام. وخارج ورشته، تصطف ورش منزلية أخرى على جانبي دروب القرية الواسعة، حيث تعمل العائلات في تحويل الطين الصلصال إلى أواني وتماثيل صغيرة. وتستقبل القرية حافلات السائحين الذين يُقبِلون على شراء منتجات الفخار الأسود المميزة؛ ولكن ما يعاينه السائحون ليس بالضرورة منتجًا تقليديًا على الوجه الأتم. يومَ بدأت الأواني المصنّعة من القصدير والألمنيوم والبلاستيك تَحلُّ مَحلَّ أواني الفخار الأسود، واكب الحرفيون متطلبات السوق الجديدة بأنْ ابتكروا أشكالًا مستحدثةً، فصاروا يصنعون تحفَ الزينة المنزلية، وأدخلوا أساليب متنوعة، مثل الأنماط المنقوشة والقوالب البلاستيكية. وصحيحٌ أن هذا النهج أسهم في استمرارية الفخار الأسود، بل وازدهاره في رأي بعضهم، لكنه خلخل الأواصر التاريخية التي ربطت بين القرية والصلصال.
ومع ذلك، يعمل اليوم جيلٌ جديد من الحرفيين الموهوبين، ومنهم منتسبو تعاونية "كوليكتيفو1050°" التي ينتمي إليها "بيدرو مارتينيز"، على إحياء منتجات الفخار الأسود وإعادتها إلى أصلها بوصفها مخصصة للاستخدام اليومي. وهم في مسعاهم هذا يلفتون الأنظار إلى ما تنطوي عليه حرفتهم من تصاميم راقية واستدامة متأصلة، على خلاف منتجات البلاستيك التي تُستخدَم مرة واحدة فحسب.
يقول "إريك ميندلينغ"، المصور الوثائقي وصاحب كتاب "نار وصلصال: فنون فخار أواكساكا": "إن الفخار الأسود لَأبرزُ تجسيد لتراث أواكساكا المتعلق بصناعة الفخار. إنه الأشهر؛ على أن صعود نجمه قائم على منظومة ثرية تشمل أنماطًا أخرى". إذ زار "ميندلينغ" أكثر من 70 قرية عبر أنحاء ولاية أواكساكا المكسيكية، فشاهد تنوعات عديدة في أسلوب تصنيع الفخار.
وعُثر على أقدم نماذج من الفخار الأسود في "مونتي ألبان"، معقل حضارتَي "زابوتيك" و"ميكستك" بأميركا الوسطى الذي يعود تاريخه إلى عام 500 قبل الميلاد. يوجد موقع "مونتي ألبان" الأثري على بعد نحو ثمانية كيلومترات جنوب غرب مدينة أواكساكا، عند نقطة التقاء وديان ولاية أواكساكا الرئيسة الثلاثة. وفي تلك المنطقة المرتفعة، ذات الوديان المتعرجة والممرات الجبلية والدروب التجارية، يعيش ما لا يقل عن 16 جماعة عرقية مختلفة. وهي ما تزال تمارس نظام "ميلبا" القديم في زراعة الذرة والفاصولياء والكوسا مجتمعةً في الحقل نفسه.
وقد تطور فخار "أواكساكا" ليُلبّي المتطلبات ذات الصلة بمحاصيل "ميلبا"، من طهي وتخزين وري. كانت غالبية منتجات الفخار بالمنطقة تُصمَّم خصيصًا لتمتص حرارة اللهيب الساخن أثناء الطهي، إلا إن منتجات فخار قرية "سان بارتولو كويوتيبيك" كانت مختلفة. فبعد أن تُوضع منتجات الفخار الأسود في قلب أفران محكمَة الإغلاق تحت الأرض في درجات حرارة عالية، تكتسب قِوامًا صلدًا هو نتاج عملية كربنة مكثفة. وبالتالي، تكون الأوعية مناسبة لحمل السوائل ونقلها، ولكنها ليست مناسبة للطهي، على خلاف أوعية الفخار الأحمر التقليدية. "يمثل الفخار أسلوب حياة في أواكساكا"، تقول "كيتزيا باريرا"، وهي مصممة صناعية أسهمت في تأسيس تعاونية "كوليكتيفو1050°"، التي تتعاون مع الحِرفيين التقليديين المحليين في إبراز السمة العريقة لهذه الحرفة المتمثلة في صون التوازن مع الأرض، إنتاجًا واستهلاكًا، وفقَ ما تسميه "باريرا"، "العقلية الحِرَفية".
تقول "باريرا": "فلننظر إلى جَرّة البئر، مثلًا. فقد جُعِلَ لها عنق قصير ليتسنى ربط حبل فيها وإنزالها في البئر. أما القوام البيضاوي فهو مصمم بهندسة بارعة تجعل الجرّة تميل ما إن تصل إلى الماء؛ وهكذا تنهل فوهتُها الماءَ الذي يستقر بالداخل من أن ينسكب. إنه تصميم مثالي تمامًا للغرض منه، ويؤدي مَهمته بلا هدر.. تصميم شُحِذَ على مرّ الزمن بأيادٍ حاذقة لمجتمع بأكمله". إن الصلصال في ولاية أواكساكا، حيث تعاني المجتمعات التقليدية التهميشَ، ركيزةٌ من ركائز الهوية. تقول "باريرا": "لذلك سوف نستمر في تصنيع الصلصال واستخدامه.. بل هو واجب علينا".

نظرة من كثب

واحة سيوة

واحة سيوة

وجهة علاجية عالمية في مصر.. تشتهر "واحة سيوة" بوصفها إحدى الوجهات السياحية الشهيرة، حيث الراحة والعزلة وسط الآثار الفرعونية، وبساتين النخيل العامرة، فضلًا عن برك المياه المالحة.

خور الزبير

ترحال نظرة من كثب

خور الزبير

أشبه ما تكون بأغصان شجرة تشق طريقها إلى السماء.. لقطة في غاية الروعة تُظهر جمال التفرعات النهرية لدى "خور الزبير" في مدينة البصرة.

القرية المدفونة

ترحال نظرة من كثب

القرية المدفونة

بيوت خاوية ورمال "عاتية".. اضطر سكان قرية "وادي المر" بولاية "جعلان بني بوعلي" إلى هجر بيوتهم ومغادرتها نتيجة زحف الرمال التي طمرت قريتهم؛ لتحولها إلى مزار سياحي.