لم نُخلق لنتباعد

تحتفل "إليزابيث" و"جيف يوشيس" بعيد ميلاد ابنتهما "سيدني" في نيويورك، من خلال محادثة بالفيديو جمعتهم بأفراد العائلة والأصدقاء.

لم نُخلق لنتباعد

لقد جُبِل البشر على اللجوء إلى بعضهم بعضًا في أوقات الخطر والأزمات، ولكن لا سبيل للنجاة اليوم إلا بالتباعد والانعزال.

قلم: سينثيا غورني

عدسة: Thomas Dworzak، وكالة (Magnum Photos).

1 سبتمبر 2021 - تابع لعدد سبتمبر 2021

أطل مفهوم "التباعد الاجتماعي" برأسه على استحياء في بداية جائحة "كوفيد-19"، ولكنه سرعان ما هيمن على كل مكان: في حكاياتنا وأسئلتنا وجدالاتنا وأحلامنا. أنا أعيش في كاليفورنيا، واستيقظت ذات صبيحة بأنفاس لاهثة وقلب تتسارع نبضاته من جرّاء كابوس راودني: كنت فيه أحاول شراء قماش لأصنع منه قناعًا واقيًا، فيما بقية المتسوقين لا يبتعدون عني مسافة كافية. يتنوع مسمى "التباعد الاجتماعي" أو "التباعد الجسدي" من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى في عالمنا. طلبت إلى أصدقائي عبر الإنترنت موافاتي بمرادفات هذه التسمية في بلدانهم، فجاءتني ردود كثيرة من البرازيل وفرنسا والنرويج وغيرها.
ومن مكسيكو سيتي وردتني صورة "سوزانا ديستانسيا"، البطلة الكرتونية الجديدة، وهي تبتسم لنا من داخل فقاعة العزلة التي تقف بداخلها باسطة ذراعيها إلى جانبيها، لتحدد بذلك مجال عدم الاقتراب منها. وداعبني صديق من دلهي بجملة كوميدية حول رغبته في لقاء ذاك الرجل الجديد الشهير، "سوشال ديستان سينغ". ولكن صديقًا من بوسطن ظل يصر على أن صياغة المسمى أو المصطلح كانت خاطئة منذ البداية، وأن ما فرضه فيروس "كورونا" على العالم لا يمت للتباعد الاجتماعي بصلة. وهو يرى أن أي إنسان تتوفر لديه شاشة واتصال بالإنترنت، قد بادر باللجوء إلى الآخرين وبشكل جامح وبطرق لم تَخل من ابتكار، مستخدمًا برامج الدردشة الحية ومؤتمرات الفيديو ليتحدث ويخطط ويدرس ويطهو ويشرب ويعمل ويرقص ويغني، وكذلك ليبكي ويتمرن ويصلي ويستمع ويحزن. يعدّ صديقي في بوسطن أن التباعد صفة مادية؛ فنحن نبقى قادرين على التواصل. نحن متواصلون بالفعل. وكل ما في الأمر أن التلامس وحده هو الممنوع.
لقد حُرمنا من التقارب الجسدي للتعاضد في مواقف مثل انتشال ضحايا زلزال من الحطام، أو الدخول أفواجًا إلى دور العبادة لممارسة الشعائر والصلوات، أو حتى الهتاف معًا في ملعب رياضي. قد لا تختلف تعليمات الصحة العامة التي تلقيتها عن تلك التي وُجهت إليكم: لا يُسمح لي أن أريح رأسي على كتف زوجة ابني، أو أداعب شعر أحفادي، أو أضع يدي على ذراع جارتي بينما أطمئنها بأننا سوف نتجاوز هذه الأزمة قريبًا. قالوا إن التباعد الاجتماعي (ومسافته متران) يُسرِّع تسطيح المنحنى.

عند قراءتك هذه السطور، ستكون الأمور في موطنك إما أفضل أو أسوأ أو تتأرجح ما بينهما، طالما بقيت جالسًا أبعَد ممّن إلى جانبك مسافة ثلاثة مقاعد على الأقل.

وربما يتبيّن فيما بعد أنها مسافة غير كافية، بعد أن عرفنا أن الفيروس قادر على المكوث بعض الوقت في الهواء. ابحث في الموضوع لعلك تجد نفسك بين العديد من النظريات التي تؤيد أو ترفض مسألة أن تلك الفيروسات المجهرية تنتقل من طريق أنفاس ثقيلة لمن هم حولنا؛ وبالتالي يمكن أن تجد طريقها إلى أنوفنا. ربما يكون من الأفضل أن نمدد المسافة إلى ستة أمتار. وربما كان من الأفضل أن نقبع في بيوتنا فلا نبرحها قَط.

إلى متى؟ لا أدري. إنه سؤال يشغل ذهني ويؤرقني كلما آويتُ إلى فراش النوم. عند قراءتك هذه السطور، ستكون الأمور في موطنك إما أفضل أو أسوأ أو تتأرجح ما بينهما، طالما بقيت جالسًا أبعَد ممّن إلى جانبك مسافة ثلاثة مقاعد على الأقل وقد شرد ذهنك في البحث عن طريقة ترشف بها شرابك من أسفل القناع الواقي. هل تحب شخصًا تقتضي حياته اليومية التعرض للخطر؟ سائق حافلة، ممرضة، ضابط شرطة، مساعدة صحة منزلية، عامل في متجر بقالة، أو عاملة على خط إنتاج بمصنع لتعبئة اللحوم؟ هل تتذكر عام 2020 بآخر مرة أمكنك فيها مخالفة اشتراطات المسافة من دون الخضوع لفحص "كوفيد19-" أولًا؟
ابنتي مسعفة تَقود سيارة إسعاف. وعلى الرغم من أنها تعيش بمدينة مجاورة لمدينتي، إلا أنها أضحت لنا مجرد صوت عبر هاتف أو وجه على شاشة.. إلى أن يحين يومٌ يخبرنا فيه مسؤولٌ أن الجلوس معًا إلى طاولة المطبخ لن يؤدي إلى سلسلة جديدة من العدوى. لم يعد بمقدورنا التعبير عن عواطفنا البشرية الفطرية العميقة التي تدفعنا إلى بث الطمأنينة وراحة البال في أنفس من يعيشون حولنا، وخاصة في أوقات الأزمات؛ أن نتقارب ونتآزر ونتكاتف، وأن نتلمس القرب؛ بالمعنى الحرفي والمعنوي. 
أستمع كل صباح لصخب أبناء الجيران. أمهم أسترالية. يبدأ روتين الدراسة لديهم من بُعد بممارسة لعبة "الكريكيت" في الممر حيث يلاعب الأب الأولاد، فيما تداعب الأم أختهم الرضيعة. إنهم يتصايحون ويصرخون إذ ترتطم الكرة بصوت مسموع بمضرب؛ وعندئذ تذكرت الإيطاليين الذين كانوا يغنون معًا وهم وقوف في شرفاتهم، وسكان المدن الكبرى الذين كانوا يفتحون نوافذهم مساءً لتحية جميع العاملين في الخطوط الأمامية للتصدي لهذه الأزمة الصحية، وتلك السيارة المزدانة بالبالونات وهي تصدح بالموسيقى في أرجاء الحي الذي أقطنه. ففي منتصف الشارع، أطل صبي من فتحة السقف بالسيارة وأخذ يلوح للجميع بكل مرح وبهجة، مثل نجم استعراضي ناجح.

"لنمنع هذا الفيروس من إفساد أرواحنا"، سمعت هذه العبارة على لسان قس في كنيسة محلية يناشد بها المصلين. كان يلقي عِظته عبر تطبيق "زووم"، فيما توالى ظهور عبارات "آمين" في نافذة الدردشة في ركن الشاشة. وأنشدت مغنية أوبرا ترنيمةً مصحوبةً بعزف على البيانو في غرفة معيشتها، وكان من الممكن أن نفسر كل هذه التصرفات الارتجالية بأنها تعبير عن تخبط أناس أصابهم الوجل فلجأوا إلى بركات الرب في أوقات لم يعهدوها من قبل؛ ولو بممارسة الكريكيت، أو خياطة أقنعة، أو مجرد إلقاء تحية.
يعمل زوجي محاميًا، ويُمضي أيامَه في التعامل مع ملفات الشركات التي انهارت بسبب الجائحة التي فقدَ بسببها كثيرٌ من الموظفين والعمال وظائفَهم. وخلال فترة التريّض في الهواء الطلق، والتي ما تزال مباحة، ينبه كل منا غيره إلى تأمل الطبيعة ونحن نتحرك محافظين على المسافة المسموح بها بيننا، ونتحسب لأي اتصال هاتفي قد يأتينا. ربما تكون على الخط أختُ أحدهم أو إخوتي أو ابننا أو أبناء عمومتنا أو أعز أصدقائنا. وتحرص ابنتنا المسعفة، حتى أثناء خدمتها، على الاطمئنان علينا بين حين وآخر، وهي في سيارة الإسعاف أثناء رحلاتها المكوكية من المستشفى وإليه.
إنها الطمأنينة إذن.. رسالة تنشد ابنتنا بثها إلينا طوال الوقت. ونحن نعي ذلك ونتفهمه. تبادر بالتواصل معنا عبر تطبيق "فيس تايم" متى سمحت جودة الشبكة الهاتفية بذلك. خلال أحد الاتصالات، حرِصَت على أن نراها في تلك الشاشة الصغيرة مبتسمةً متفائلة، وذكرّتنا بيوم كنا نعتقد أنها سوف تسافر لتمارس عملها الإنساني هذا في بقعة بعيدة من العالم؛ في مناطق قتال أو داخل مخيم للاجئين في قلب الصحراء.
تقول: "ليس علينا سوى أن نتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. عندئذ، سنكون ممتنين لحسن حظنا. فبفضل هذه الأجهزة المتقدمة تقنيًا، أمكن لنا التواصل وأن يرى بعضنا بعضًا مهما تباعدت بنا الأماكن". ينبغي لنا في الوقت الحالي أن نَقنع ونَسعد بما في أيدينا، وأن نستفيد من مقدرات التقنية أيما استفادة.. إلى أن تعود الحياة إلى سابق عهدها.

استكشاف

يوم الكلب.. وأيـام أخـرى

يوم الكلب.. وأيـام أخـرى

إذا كنا نحب الأيام التي تحتفي بشيء ما، ونحب الحيوانات؛ فلا عجب أننا نحب الأيام التي تحتفي بالحيوانات.

شعائر للأمان..  ومآرب أخرى

استكشاف فكرة نيرة

شعائر للأمان.. ومآرب أخرى

يشير بحث جديد إلى أننا طورنا ممارسات وأنماط سلوك اجتماعية لدرء التهديدات المشتركة الناشئة عن الأخطار والأمراض.

150 سلحفاة بحرية تعود إلى موائلها بعد إعادة تأهيلها في أبوظبي

استكشاف فكرة نيرة

150 سلحفاة بحرية تعود إلى موائلها بعد إعادة تأهيلها في أبوظبي

عملية إطلاق ناجحة لـ 150 سلحفاة بحرية تم إعادة تأهيلها وعلاجها قبل إعادتها مجددًا إلى مياه إمارة أبوظبي.