قصة منارة الإسكندرية

بلغ ارتفاع منارة الإسكندرية أكثر من 350 قدمًا مزينة بتماثيل ضخمة من الجرانيت الوردي تمثل الفراعنة البطالمة وملكاتهم. وقد تم استخدام كتل ضخمة من الحجر الجيري الأبيض لبناء المنارة التي كانت تسطع بشدة تحت أشعة الشمس. الصورة: JEAN-CLAUDE GOLVIN/MUSÉE DÉPARTEMENTAL

قصة منارة الإسكندرية

كانت النيران المشتعلة في قمة المنارة شديدة السطوع بحيث يمكن الخلط بينها وبين نجم في الظلام. وخلال النهار، كان الدخان وحده يجعلها مرئية من مسافة بعيدة.

12 يناير 2022

لقد أدت عجائب الدنيا السبع في العالم القديم مجموعة متنوعة من الأغراض، كان بعضها مزخرفًا، مثل حدائق بابل المعلقة. والبعض الآخر، مثل معبد أرتميس في أفسس، كان لأغراض روحية. في حين أن منارة الإسكندرية كانت مدهشة وعملية على حد سواء، فقد خدمت أيضًا غرضًا عمليًا، إذ أدى ضوئها الساطع إلى توجيه السفن بأمان إلى الميناء المصري لعدة قرون، ما جعل الإسكندرية في مركز التجارة المتوسطية في العالم القديم.

قام الإسكندر الأكبر بتأسيس مدينته في عام 331 قبل الميلاد عندما كان يسافر عبر شمال مصر، برفقة حفنة من الرجال.  وقد مرت ثلاث سنوات بالكاد منذ بداية حملة الملك المقدوني ضد الفرس وكان قد استولى بالفعل على المنطقة الساحلية من شرق البحر الأبيض المتوسط. وفي دلتا النيل، قرر العثور على ميناء يضمن سيطرته على البحار، و يحل محل مدينة صور الفينيقية - التي دمرت - كمركز للتجارة.  وسرعان ما وجد المكان المثالي للمدينة الجديدة، عبارة عن امتداد من الأراضي المتصلة بالنيل عبر الفرع الغربي من الدلتا وتحميه بحيرة مريوت على جانبها الجنوبي. وقد ذكر المؤرخ اليوناني بلوتارخ في سيرته الذاتية عن الإسكندر وقوع حدث مشؤوم أثناء تخطيط المدينة. عندما تتبع دينوقراط، مهندس الإسكندر، تخطيط الطرق والقنوات للمدينة الجديدة، لم يكن لديه أي طباشير في متناول اليد، لذا استخدم الطحين بدلاً من ذلك. وما إن انتهى من عمله حتى ظهر سرب ضخم من الطيور، أظلم السماء والتهم الطحين. الأمر الذي أزعج الإسكندر لأنه أعتقد أن ما حدث نذير شؤم، لكن العرافين أقنعوه بأنه على العكس من ذلك، علامة على أن مدينته الجديدة ستوفر القوت للعالم بأسره

مياه خطرة

كانت الإسكندرية على شكل مستطيل تقريبًا بين البحر وبحيرة مريوت. قارنها المسافرون المعاصرون بعباءة يونانية قديمة. تلقت المدينة إمداداتها المائية عبر قناة تربطها بفرع كانوبي في الدلتا، وكانت الطرق الواسعة نادرة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وقد تم تقسيم المدينة العجيبة إلى خمس مناطق، ولكن ما يقرب من ربع امتدادها احتلته قصور وحدائق الأسوار الملكية. وكان الميناء عميقًا، ما جعله مناسبًا للسفن ذات الغاطس الكبير، وكان الميناء محميًا من الرياح الشمالية الخطرة بسلسلة من الجزر. ومع ذلك، بدون بوصلة أو أدوات ملاحية، كان من الصعب العثور على الاتجاهات من خلال مراقبة الساحل، إذ أنه في المنطقة المحيطة بدلتا النيل، لا توجد جبال أو منحدرات - فالساحل عبارة عن منظر طبيعي لا نهاية له من المستنقعات والصحاري، والأرض منخفضة للغاية إلى الحد الذي يبدو وكأنه يختبئ في بعض الأحيان خلف البحر. ومن العناصر الطبيعية الأخرى، كان شريطًا كبيرًا من الأرض المغمورة بالكاد. غير مرئي لأي شخص غير مألوف بالمياه الساحلية. كما كانت هناك عقبة أخيرة هي الخط المزدوج من الشعاب المرجانية أمام الإسكندرية، والتي يمكن أن يصبح قاتل للبحارة والسفن القادمة إذا لم تكن الرياح مواتية. لكل ذلك كانت المنارة ضرورية. وقد تم اختيار وضعها بعناية.

في الجزء الغربي من الجزيرة كان برج المنارة عبارة عن هيكل فريد - الأول من نوعه الذي أقامته أي حضارة -. وقد أخذ اسم الجزيرة المجاورة، وهكذا أصبحت كلمة فاروس تعني "منارة" في اليونانية.

بدأ مؤسس السلالة اليونانية لفراعنة مصر، بطليموس الأول المنقذ، بناء منارة الإسكندرية. كان بطليموس الأول نبيلًا مقدونيًا استولى على مصر في أعقاب وفاة الإسكندر عام 323 قبل الميلاد. وقد اكتمل المشروع في عهد ابنه بطليموس الثاني فيلادلفيوس. وفقًا للمؤرخ الروماني بليني الأكبر، وكان أحد هؤلاء البطالمة كريمًا بدرجة كافية للسماح بنقش اسم المهندس المعماري، سوستراتوس من كنيدوس، "على نسيج المبنى نفسه". وكان لوسيان، وهو كاتب من القرن الثاني الميلادي، لديه تفسير مخادع – وخيالي، فبعد أن أتم البناء، كتب اسمه على البناء الداخلي، وغطاه بالجص، وبعد أن أخفاه، قام بنقش الاسم للملك الحاكم. إذ كان يعلم كما حدث في الواقع، أنه بعد وقت قصير جدًا ستسقط الحروف مع الجص وسيتم الكشف عن اسمه.

منارة مشتعلة

كان المبنى مثل العديد من المباني التي أقامها البطالمة الأوائل، رائعًا. وقد أشار بليني إلى أن البناء تكلف نحو 23 طنًا من الفضة - نحو عُشر خزينة الملك بالكامل-كما خدمت المنارة غرضها على أكمل وجه: خلال النهار، كان بإمكان البحارة استخدامها للتنقل؛ في الليل، يمكنهم تحديد الميناء بأمان. وكان يبلغ ارتفاعها أكثر من 350 قدمًا، ويمكن رؤيتها من مسافة 34 ميلاً - إبحار ليوم كامل - وفقًا للمؤرخ اليهودي جوزيفوس. كانت النيران المشتعلة في قمة المنارة شديدة السطوع بحيث يمكن الخلط بينها وبين نجم في الظلام. وخلال النهار، كان الدخان وحده يجعلها مرئية من مسافة بعيدة. ونظرًا لأن الخشب كان نادرًا في مصر، فقد دفع ذلك العديد من العلماء إلى الاعتقاد بأن النار تأججت بالزيت أو ورق البردي. كما يبدو أيضًا أنه من المحتمل أن لوحًا معدنيًا كبيرًا مصقولًا، أو ربما نوعًا من الزجاج قد تم تثبيته ليكون بمثابة مرآة، ما يعكس وهج اللهب. وفي العصور الوسطى، كان المؤلفون العرب، مفتونون بالمبنى، يتخيلون أن المرآة كانت تستخدم في الواقع كعدسة مكبرة، لتسخير وتوجيه قوة الشمس ضد أي سفينة معادية تقترب من الميناء وتحرقه قبل أن يقترب أكثر.

نظر بعض العلماء في احتمال أن تكون المنارة تحتوي أيضًا على "بوق ضباب" قديم يصدر صوتًا عندما تكون الغيوم محاطة بالساحل. إذ تصف الروايات العربية "أصوات رهيبة" تخرج من المبنى.  لكن لم يتم تحديد الآلية الدقيقة للتحذير الصوتي. وقد خمن البعض أن التريتونات تنفخ قذائف مخروطية على طول الطبقة العليا من المنارة كان يمكن أن تخدم غرضًا عمليًا فضلًا عن الغرض الزخرفي.

سمعة مشرقة

سرعان ما أصبحت المنارة موضع إعجاب. إذ أدرجها بعض المؤلفين القدماء في قوائمهم لعجائب الدنيا السبع في العالم القديم. أولئك القادرون على التفكير فيها عن كثب، مثل يوليوس قيصر، أعجبوا بارتفاعها وصنعها الرائع.  فقد ظلت المنارة رمزًا رائعًا للفخر والإنجاز . وعلى الرغم من شهرتها، لم تكن المنارة منيعة أمام ويلات الزمن، إذ أنه في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، أمرت الملكة الأخيرة من سلالة البطالمة، كليوباترا السابعة، بترميم البرج لأول مرة. وعندما دخل العرب مصر بعد نحو 700 عام، كانت المنارة لا تزال قائمة. شيئًا فشيئًا، دمرتها الزلازل التي هزت مصر خلال العصور الوسطى. وفي القرن الرابع عشر، أعرب الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة عن حزنه للحالة المؤسفة للمبنى. وفي عام 1477، مع تحول المنارة إلى كومة من الأنقاض، أمر السلطان المملوكي باستخدام البقايا في بناء قلعة قايتباي، التي لا تزال قائمة حتى اليوم. فقد كانت المنارة واحدة من أكثر العجائب السبع القديمة ديمومة في العالم - ولم يصمد سوى ضريح هاليكارناسوس وهرم الجيزة الأكبر بعد ذلك.

المصدر: Nationalgeographic

نظرة من كثب

صحراء بدية

صحراء بدية

فوق رمال الصحراء المزدانة بكثبان الذهب.. لقطة من الأعلى ترصد قافلة من الإبل تشق طريقها في صحراء ولاية بدية العمانية، التي تُعد وجهة أثيرة للتخييم الشتوي والاسترخاء في أحضان الطبيعة.

مروج خضراء

ترحال نظرة من كثب

مروج خضراء

مشهد رائع من مدينة "عين مليلة" في شرق الجزائر.. حيث تزهو الطبيعة بحقولها الشاسعة من زهور الأقحوان، ومروجها الخضراء، وتغدق بخيرها على هذا القطيع من الخراف.

وادي غميقة

ترحال نظرة من كثب

وادي غميقة

بساط أخضر وطبيعة في حلة بهية.. لقطة رائعة من "وادي غميقة" جنوب مكة المكرمة، يشتهر هذا الوادي باحتضانه لأعداد هائلة من أشجار الأراك، فضلًا عن عيون المياه الكبريتية.