صانع أفلام يداعب أضخم ألغاز بحر العرب
في صبيحة دافئة من شهر أغسطس عام 2023، على متن قارب صغير قبالة سواحل مسقط، توقّف "جيمس كوينلان" عن التصوير لحظة. لم يكن يَعلم بعدُ أن ما يوشك أن يراه سيغيّر مسار السنوات المقبلة من حياته. بدأ سطح الماء يهتز. ثم تحوّل الاهتزاز إلى اضطراب صريح: زعانف مكسوة ببقع بيضاء بدأت تطفو حول القارب، واحدة تلو الأخرى، حتى بدا الأمر وكأن المحيط بأكمله ينبض بالحياة. لم يكن كوينلان يعلم حينها أنه يشهد تجمعًا حاشدًا لأكبر الأسماك على وجه الأرض: قروش الحوت، وقد اجتمعت بالمئات على مرأى منه. "دائمًا ما كنت شديد الخوف من البحر"، يُقرّ كوينلان بابتسامة محرَجة قليلًا. فالأشواك السامة والأسنان الحادة وأزياء أفلام الرعب البحرية التي شاهدها في طفولته.. كل ذلك كان سببًا كافيًا له للبقاء على اليابسة. فكيف انتهى به الأمر عائمًا وسط مئات من أضخم أسماك القرش في العالم، وكاميرته في يده، بلا هلع أو فزع؟ هذه هي القصة التي يحاول كوينلان أن يرويها عبر فيلمه الوثائقي الجديد "Finprint" (بصمة الزعانف). لكن الطريق إلى ذلك القارب لم تبدأ من البحر، بل بعيدًا عنه كل البعد. قبل سنوات قليلة، كان كوينلان يقضي أيامه الباردة في تصوير العقارات والمشاريع التجارية في إنجلترا؛ وهو عالَم بعيد كل البعد عن البحر، حتى إنه يمزح قائلًا إن بلدته كانت أقرب -تقنيًا- إلى القمر منها إلى المحيط. لكن انتقاله إلى دول الخليج العربي فتح أمامه أبوابًا لم يكن يتخيلها: تصوير رجال الإطفاء وهم يقتحمون ألسنة اللهب، ومواقع تصوير في قلب الصحراء، وحياة المنتجعات الفاخرة على الساحل. ثم تغيّر كل شيء إذْ تلقّى دعوة من "فهد المعشري"، المرشد السياحي العُماني لدى شركة الغوص "ديمانيات شيلز" (Daymaniat Shells)، للتوثيق لرحلة إلى "محمية جُزر الديمانيات الطبيعية" قبالة ساحل مسقط. كانت تلك المرة الأولى التي يكتشف فيها كوينلان عالمًا كاملًا يعيش تحت السطح مباشرة: مياهًا متلألئة تؤوي تجمعات ضخمة من السلاحف الخضراء، وحدائق مرجانية ناعمة تؤوي أسماكًا محلية نادرة.
"لقد انبهرتُ على الفور"، يقول كوينلان، الذي صار يغوص في هذه العوالم الجديدة أكثر فأكثر؛ فتعلّم تقنيات الغوص الحر، وتدرّب على معرفة أنواع الأسماك، وأدرك أهمية السياحة المستدامة. وهكذا بدأ البحر، الذي كان في نظره مفهومًا مخيفًا وغامضًا، يتحوّل إلى بيته الثاني. بَيدَ أن شيئًا أعظم بكثير كان يسبح نحوه في الأفق. فما شهده كوينلان في ذلك الصباح من أغسطس 2023 لم يكن مصادفة عابرة. إذْ ظل فريق الشركة يراقب -بهدوء- عودة قروش الحوت تلك إلى المياه العُمانية كل عام منذ أكثر من عقد من الزمان. كما دأبت عالمة البيئة البحرية المحلية "إيلين لوكر" على إرسال تقارير عن حالات رصد لهذه الكائنات العملاقة إلى خبيرين دوليين بارزين في مجال قرش الحوت: "سيمون بيرس"، عالم الأحياء البحرية ومؤسس منظمة "Megafauna Foundation" (ميغافونا)، و"ديفيد روبنسون"، عالم الأحياء البحرية ومؤسس مشروع "شاركووتش أرابيا" (Sharkwatch Arabia) وهو منصة تتيح للجمهور تحميل صور مشاهداتهم لبناء قاعدة بيانات عالمية عن قروش الحوت.
صانع أفلام يداعب أضخم ألغاز بحر العرب
في صبيحة دافئة من شهر أغسطس عام 2023، على متن قارب صغير قبالة سواحل مسقط، توقّف "جيمس كوينلان" عن التصوير لحظة. لم يكن يَعلم بعدُ أن ما يوشك أن يراه سيغيّر مسار السنوات المقبلة من حياته. بدأ سطح الماء يهتز. ثم تحوّل الاهتزاز إلى اضطراب صريح: زعانف مكسوة ببقع بيضاء بدأت تطفو حول القارب، واحدة تلو الأخرى، حتى بدا الأمر وكأن المحيط بأكمله ينبض بالحياة. لم يكن كوينلان يعلم حينها أنه يشهد تجمعًا حاشدًا لأكبر الأسماك على وجه الأرض: قروش الحوت، وقد اجتمعت بالمئات على مرأى منه. "دائمًا ما كنت شديد الخوف من البحر"، يُقرّ كوينلان بابتسامة محرَجة قليلًا. فالأشواك السامة والأسنان الحادة وأزياء أفلام الرعب البحرية التي شاهدها في طفولته.. كل ذلك كان سببًا كافيًا له للبقاء على اليابسة. فكيف انتهى به الأمر عائمًا وسط مئات من أضخم أسماك القرش في العالم، وكاميرته في يده، بلا هلع أو فزع؟ هذه هي القصة التي يحاول كوينلان أن يرويها عبر فيلمه الوثائقي الجديد "Finprint" (بصمة الزعانف). لكن الطريق إلى ذلك القارب لم تبدأ من البحر، بل بعيدًا عنه كل البعد. قبل سنوات قليلة، كان كوينلان يقضي أيامه الباردة في تصوير العقارات والمشاريع التجارية في إنجلترا؛ وهو عالَم بعيد كل البعد عن البحر، حتى إنه يمزح قائلًا إن بلدته كانت أقرب -تقنيًا- إلى القمر منها إلى المحيط. لكن انتقاله إلى دول الخليج العربي فتح أمامه أبوابًا لم يكن يتخيلها: تصوير رجال الإطفاء وهم يقتحمون ألسنة اللهب، ومواقع تصوير في قلب الصحراء، وحياة المنتجعات الفاخرة على الساحل. ثم تغيّر كل شيء إذْ تلقّى دعوة من "فهد المعشري"، المرشد السياحي العُماني لدى شركة الغوص "ديمانيات شيلز" (Daymaniat Shells)، للتوثيق لرحلة إلى "محمية جُزر الديمانيات الطبيعية" قبالة ساحل مسقط. كانت تلك المرة الأولى التي يكتشف فيها كوينلان عالمًا كاملًا يعيش تحت السطح مباشرة: مياهًا متلألئة تؤوي تجمعات ضخمة من السلاحف الخضراء، وحدائق مرجانية ناعمة تؤوي أسماكًا محلية نادرة.
"لقد انبهرتُ على الفور"، يقول كوينلان، الذي صار يغوص في هذه العوالم الجديدة أكثر فأكثر؛ فتعلّم تقنيات الغوص الحر، وتدرّب على معرفة أنواع الأسماك، وأدرك أهمية السياحة المستدامة. وهكذا بدأ البحر، الذي كان في نظره مفهومًا مخيفًا وغامضًا، يتحوّل إلى بيته الثاني. بَيدَ أن شيئًا أعظم بكثير كان يسبح نحوه في الأفق. فما شهده كوينلان في ذلك الصباح من أغسطس 2023 لم يكن مصادفة عابرة. إذْ ظل فريق الشركة يراقب -بهدوء- عودة قروش الحوت تلك إلى المياه العُمانية كل عام منذ أكثر من عقد من الزمان. كما دأبت عالمة البيئة البحرية المحلية "إيلين لوكر" على إرسال تقارير عن حالات رصد لهذه الكائنات العملاقة إلى خبيرين دوليين بارزين في مجال قرش الحوت: "سيمون بيرس"، عالم الأحياء البحرية ومؤسس منظمة "Megafauna Foundation" (ميغافونا)، و"ديفيد روبنسون"، عالم الأحياء البحرية ومؤسس مشروع "شاركووتش أرابيا" (Sharkwatch Arabia) وهو منصة تتيح للجمهور تحميل صور مشاهداتهم لبناء قاعدة بيانات عالمية عن قروش الحوت.