هنـا يسكـن المـارد
بدا الحوت كأنه يدرك أنه يُطارَد بفوهة بندقية. كان يطفو هناك، قبالة الساحل الغربي لنيوزيلندا، كأنبوب معجون الأسنان تحت سطح بحر "تاسمان" الذي اكتسى اللون الكوبالتي. قالت إحدى الصيّادات، "داون بارلو"، وهي على متن مركب متوقف: "يبدو أنه مستلق على جانبه. فمه ممتلئ. لقد ارتقى إلى السطح بشكل جميل وبطيء". ثم أضافت محاوِلةً إغراءه بالصعود: "هنا بالضبط، يا صديقي". قالت قائدة المركب، "لي توريس": "أعتقد أنه يُفرغ تجويف فمه". كان حوتًا أزرق قزمًا (Balaenoptera musculus brevicauda)، وهو ما يبدو وكأنه تناقض لفظي. فالحيتان الزرقاء هي، بالطبع، أكبر الحيوانات على كوكب الأرض؛ وأكبر المخلوقات، على حد علمنا، التي عاشت على الإطلاق. ويماثل صغر حجم الحوت الأزرق القزم مقارنة بالحوت الأزرق العادي التفاوت في الحجم بين لاعب كرة السلة الشهير "ليبرون جيمس" وزميله "شاكيل أونيل". وهو صنف فرعي من الحيتان الزرقاء ويتنافس مع الحيتان ذات الزعانف (Balaenoptera physalus) على لقب ثاني أكبر الحيوانات، إذْ يصل طول بعضها إلى نحو 24 مترًا ويتجاوز وزنها 72 طنًّا. ويمكن أن تستوعب تجاويفها الفموية -أي أفواهها- كمية من مياه البحر تعادل مِلء مسبح صغير. أما تصفية هذا الكم الهائل من اللترات عبر البَلّين (مادة قرنية تنمو مكان الأسنان في الفكّ الأعلى من فم الحوت) فتتطلب بعض الوقت. كان هؤلاء العلماء "الصيادون" في حالة ترقب. فطوال نصف الساعة التي سبقت ذلك، كنت أشاهدهم وهم يتحركون بخطوط متعرجة وراء طريدتهم هذه التي أطلقوا عليها اسم "تشوب توب"، بسبب شق في زعنفتها الظهرية. كانوا يطاردون أعمدة الرذاذ المتقطعة المنبعثة من نيسمها وهم يصرخون بعبارات مثل "الساعة الرابعة" أو "الساعة العاشرة"، ثم أديرت عجلة القيادة في المركب وزادت سرعة المحرك الخارجي، لكنهم وصلوا متأخرين إلى ما يُسمى "بصمة الزعنفة الذيلية"، وهي رقعة مائية بحجم قارب بدت لبرهة خالية من أي اضطراب.
ولكن الحوت بدا، بعد أن صار مطاردوه في آخر المطاف على مقربة من الهدف، أنه اتخذ قرار عدم التقاط أنفاسه. وبدأ يغوص بعيدا عن الأنظار من دون أن يكشف عن طرفه العلوي المقطوع. واستأنف ركاب المركب وضع الاستراتيجيات، عبر جهاز لاسلكي ذي تردد عال جدا، مع قائد مُسيَّرة (درون) كانت تحلق فوقهم.
كان القائد يشغّل المُسيَّرة انطلاقًا من مركب عمل بطول 23 مترًا يُدعى "ترانكويل إيميج"؛ ويجب أن أوضح أن هؤلاء الصيادين كانوا علماء يبحثون عن أدلة بشأن كيفية استجابة النُّظم البيئية البحرية لتغيّر المناخ. وتُعد الحيتان حالة استثنائية إلى حد ما، من بين كل الحيوانات الضخمة، من حيث اعتمادها المباشر على بعض أصغر الكائنات الحية في السلسلة الغذائية، وهي الكريل. وتنفرد هذه الحيتان بالذات بعاداتها الغذائية التي تعتمد على الغذاء المحلي، إذْ نادرا ما تبحث عن الطعام في أماكن أخرى بسبب وفرة أسراب الكريل الجنوبي على سطح الماء، وهو نوع الكريل المستوطن في المنطقة. وفي الواقع، كان الباحثون قد عزلوا ما يشبه حوضًا مائيًا في عُرض المحيط، وكانوا يأملون أن تُبرز دراسة العلاقة بين المفترس والفريسة داخله بعض المخاطر المتفاقمة المرتبطة بارتفاع درجة حرارة المياه.
عادت "كيم برنارد"، المستكشفة لدى ناشيونال جيوغرافيك التي ترأس "مختبر كريلسيكر" لدى "جامعة ولاية أوريغون"، إلى "ترانكويل إيميج" لتدرس الصور الجوية لأسراب الكريل. وفي الوقت نفسه، كانت توريس، وهي أيضا مستكشفة وتلقى أبحاثها دعمًا من "المؤسسة الوطنية للعلوم"، و"بارلو"، زميلتها في "معهد الثدييات البحرية" لدى "جامعة ولاية أوريغون"، تعاودان تجسيد قصة "موبي ديك". كان الرجل الذي يحمل البندقية يعمل لدى وزارة صون الطبيعة النيوزيلندية. وكانت رصاصته سهمًا بلاستيكيًا برأس معدني، صُمم لاستخراج العيّنات النسيجية؛ وهو ما يعادل في ألمه لسعة نحلة. ومع ذلك، يمكن التماس العذر للحوت لعدم قدرته على التمييز بين خطر لسعة النحلة وخطر الإبادة. ولربما كنتُ أقوم بعملية إسقاط، لكننا لا نعرف الكثير عن ثقافة الحوت الأزرق، فكيف بثقافة الحوت الأزرق القزم، على الرغم من أننا كدنا نصطاد هذه الحيوانات إلى حد الانقراض منذ وقت ليس ببعيد. وقد أُغلقت آخر محطة صيد حيتان قانونية في نيوزيلندا عام 1964، وواصلت السفن السوفيتية هنا صيد الحيتان غير المشروع حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي، أي من الناحية النظرية خلال فترة حياة الحوت القزم التي تمتد سبعة عقود. ومن المؤكد أن "تشوب توب" لم يكن يسهل الأمر على العلماء.
هنـا يسكـن المـارد
بدا الحوت كأنه يدرك أنه يُطارَد بفوهة بندقية. كان يطفو هناك، قبالة الساحل الغربي لنيوزيلندا، كأنبوب معجون الأسنان تحت سطح بحر "تاسمان" الذي اكتسى اللون الكوبالتي. قالت إحدى الصيّادات، "داون بارلو"، وهي على متن مركب متوقف: "يبدو أنه مستلق على جانبه. فمه ممتلئ. لقد ارتقى إلى السطح بشكل جميل وبطيء". ثم أضافت محاوِلةً إغراءه بالصعود: "هنا بالضبط، يا صديقي". قالت قائدة المركب، "لي توريس": "أعتقد أنه يُفرغ تجويف فمه". كان حوتًا أزرق قزمًا (Balaenoptera musculus brevicauda)، وهو ما يبدو وكأنه تناقض لفظي. فالحيتان الزرقاء هي، بالطبع، أكبر الحيوانات على كوكب الأرض؛ وأكبر المخلوقات، على حد علمنا، التي عاشت على الإطلاق. ويماثل صغر حجم الحوت الأزرق القزم مقارنة بالحوت الأزرق العادي التفاوت في الحجم بين لاعب كرة السلة الشهير "ليبرون جيمس" وزميله "شاكيل أونيل". وهو صنف فرعي من الحيتان الزرقاء ويتنافس مع الحيتان ذات الزعانف (Balaenoptera physalus) على لقب ثاني أكبر الحيوانات، إذْ يصل طول بعضها إلى نحو 24 مترًا ويتجاوز وزنها 72 طنًّا. ويمكن أن تستوعب تجاويفها الفموية -أي أفواهها- كمية من مياه البحر تعادل مِلء مسبح صغير. أما تصفية هذا الكم الهائل من اللترات عبر البَلّين (مادة قرنية تنمو مكان الأسنان في الفكّ الأعلى من فم الحوت) فتتطلب بعض الوقت. كان هؤلاء العلماء "الصيادون" في حالة ترقب. فطوال نصف الساعة التي سبقت ذلك، كنت أشاهدهم وهم يتحركون بخطوط متعرجة وراء طريدتهم هذه التي أطلقوا عليها اسم "تشوب توب"، بسبب شق في زعنفتها الظهرية. كانوا يطاردون أعمدة الرذاذ المتقطعة المنبعثة من نيسمها وهم يصرخون بعبارات مثل "الساعة الرابعة" أو "الساعة العاشرة"، ثم أديرت عجلة القيادة في المركب وزادت سرعة المحرك الخارجي، لكنهم وصلوا متأخرين إلى ما يُسمى "بصمة الزعنفة الذيلية"، وهي رقعة مائية بحجم قارب بدت لبرهة خالية من أي اضطراب.
ولكن الحوت بدا، بعد أن صار مطاردوه في آخر المطاف على مقربة من الهدف، أنه اتخذ قرار عدم التقاط أنفاسه. وبدأ يغوص بعيدا عن الأنظار من دون أن يكشف عن طرفه العلوي المقطوع. واستأنف ركاب المركب وضع الاستراتيجيات، عبر جهاز لاسلكي ذي تردد عال جدا، مع قائد مُسيَّرة (درون) كانت تحلق فوقهم.
كان القائد يشغّل المُسيَّرة انطلاقًا من مركب عمل بطول 23 مترًا يُدعى "ترانكويل إيميج"؛ ويجب أن أوضح أن هؤلاء الصيادين كانوا علماء يبحثون عن أدلة بشأن كيفية استجابة النُّظم البيئية البحرية لتغيّر المناخ. وتُعد الحيتان حالة استثنائية إلى حد ما، من بين كل الحيوانات الضخمة، من حيث اعتمادها المباشر على بعض أصغر الكائنات الحية في السلسلة الغذائية، وهي الكريل. وتنفرد هذه الحيتان بالذات بعاداتها الغذائية التي تعتمد على الغذاء المحلي، إذْ نادرا ما تبحث عن الطعام في أماكن أخرى بسبب وفرة أسراب الكريل الجنوبي على سطح الماء، وهو نوع الكريل المستوطن في المنطقة. وفي الواقع، كان الباحثون قد عزلوا ما يشبه حوضًا مائيًا في عُرض المحيط، وكانوا يأملون أن تُبرز دراسة العلاقة بين المفترس والفريسة داخله بعض المخاطر المتفاقمة المرتبطة بارتفاع درجة حرارة المياه.
عادت "كيم برنارد"، المستكشفة لدى ناشيونال جيوغرافيك التي ترأس "مختبر كريلسيكر" لدى "جامعة ولاية أوريغون"، إلى "ترانكويل إيميج" لتدرس الصور الجوية لأسراب الكريل. وفي الوقت نفسه، كانت توريس، وهي أيضا مستكشفة وتلقى أبحاثها دعمًا من "المؤسسة الوطنية للعلوم"، و"بارلو"، زميلتها في "معهد الثدييات البحرية" لدى "جامعة ولاية أوريغون"، تعاودان تجسيد قصة "موبي ديك". كان الرجل الذي يحمل البندقية يعمل لدى وزارة صون الطبيعة النيوزيلندية. وكانت رصاصته سهمًا بلاستيكيًا برأس معدني، صُمم لاستخراج العيّنات النسيجية؛ وهو ما يعادل في ألمه لسعة نحلة. ومع ذلك، يمكن التماس العذر للحوت لعدم قدرته على التمييز بين خطر لسعة النحلة وخطر الإبادة. ولربما كنتُ أقوم بعملية إسقاط، لكننا لا نعرف الكثير عن ثقافة الحوت الأزرق، فكيف بثقافة الحوت الأزرق القزم، على الرغم من أننا كدنا نصطاد هذه الحيوانات إلى حد الانقراض منذ وقت ليس ببعيد. وقد أُغلقت آخر محطة صيد حيتان قانونية في نيوزيلندا عام 1964، وواصلت السفن السوفيتية هنا صيد الحيتان غير المشروع حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي، أي من الناحية النظرية خلال فترة حياة الحوت القزم التي تمتد سبعة عقود. ومن المؤكد أن "تشوب توب" لم يكن يسهل الأمر على العلماء.