إعادة الديناصور سيرتَه الأولى
إنه لأمرٌ غريب أن تتحوّل إلى أحفورة! تَخيّل أنك تعيش حياةً كاملة لديناصور من نوع ديبلودوكس، تُلوِّح بذيلك الطويل جدًا في عالمك الجوراسي على مرّ سبعين عامًا أو أكثر قليلًا. ثم تموت؛ لكن في ظروفٍ استثنائية إلى حدٍّ بعيد، حيث تُدفن عظامك -على خلاف كل الاحتمالات- وتتحوّل مع مرور الزمن إلى حجر.
تنشأ جبالٌ من حولك ثم تتآكل. تأتي الأنهار وتذهب. وتزمجر الأنهار الجليدية فوقك. ومع ذلك، تصمد عظامك وتبقى. والأغرب من ذلك أنه بعد مئة مليون سنة أو أكثر، يهيمن نشاط بركاني على المنطقة. وعندما تبرد تلك السوائل المستعرة في نهاية المطاف وتنصرف، تصبح عظامك المتحجّرة خضراء اللون، تتخللها هنا وهناك بقع حمراء تشبه اللحم المشوي. ثم يأتي أغرب منعطف على الإطلاق: تعود إلى السطح بعد غياب دام 150 مليون سنة، وهناك يُعثَر عليك، وتُستخرَج، فيُعاد تركيبك على يد نوعٍ جديد لا يُتصوَّر في عالمٍ غريب وجديد.
الخطوة الأولى: الاكتشاف والحفر
رصد فريقٌ من "متحف التاريخ الطبيعي لمقاطعة لوس أنجلوس" أول مرة ديناصورًا من الصوروبودات، أطلقوا عليه اسم "ناتالي" (Gnatalie) عام 2007، بعد أن كشفت التعرية عن عظم ساقٍ واحد على مقربة من جرف في جنوب شرق ولاية يوتا الأميركية. وما وجدوه تحت سطح الأرض أعادهم إلى موقع التنقيب ذاك تسعة فصول صيفٍ تالية أخرى. كانت مجموعة العظام المكتشَفة تلك (وتعود لديناصورات ديبلودوكس وكاماراصوروس وألوصوروس وستيجوصوروس، وغيرها) قد جرفتها مياه أنهار ذلك الزمن لتتكدّس معًا فيما يشبه ركامًا من العظام. وحتى العيّنة المُعاد تركيبها، المعروضة في المتحف المذكور آنفًا منذ خريف 2024، لا تمثّل ديناصورًا واحدًا، بل تجمع أجزاءً من فردين أو أكثر من النوع نفسه الذي عُثر عليه في الموقع. ولم تُحدَّد هوية هذا النوع بعد، وقد يكون نوعًا جديدًا على العِلم. غير أنه، بعنقه وذيله الطويلين وسيقانه الأربع القوية، يشترك في كثير من خصائص جنس الديبلودوكس.
واشتُقَّ لقب "ناتالي" على نحو غير شاعري من اسم البعوض الصغير (Gnats) الذي قضّ مضاجع أعضاء الفريق في السنة الأولى من التنقيب. ولذا جعلوا مواسم التنقيب اللاحقة في ذروة الصيف، مفضّلين خطر الجفاف وضربات الشمس على لدغات ذلك البعوض. ومن بين المخاطر المعتادة الأخرى في موقع التنقيب، كانت أسود الجبال تترك آثار أقدامها في التراب، وكانت الأفاعي الجرسية تجد في بعض الأحيان مأوى لها تحت الأغطية القماشية للفريق. وفي إحدى المرات، ضربت صاعقة قمة جرف قريب، فاشتعلت النار في شجرة عرعر وحيدة. وتفرّق الجميع بحثًا عن ملجأ.
ولأن الموقع كان سهل الوصول نسبيًا -على مسافة يوم طويل بالسيارة من لوس أنجلوس- رأى فريق المتحف فيه فرصة لإطلاع الجمهور على آليات اشتغال العِلم المعني بالديناصورات، بمشاركة متطوعين ومتبرعين وطلاب يقومون بأعمال الحفر باستخدام المطارق والأزاميل. وفي إحدى الليالي، بينما كان أعضاء الفريق يخططون للعشاء، أجروا إحصاءً سريعًا، فاكتشفوا أن في المخيم خمسين شخصًا؛ منهم من كانت تلك أول مرة ينامون فيها في خيمة.
زادت وفرة العيّنات من تعقيد عملية التنقيب. إذْ تقول "أليسا بيل"، عالمة الأحافير لدى المتحف: "يشبه الأمرُ ممارسة لعبة العِيدانية [Jackstraws]، لكن بعظام ديناصورات. فهذه الأخيرة كلها متشابكة بإحكام". وفي نحو عام 2015، اكتشف الفريق ما تَبَيّن لاحقًا أنه عنق كامل وظهر وحوض لا تزال ملتحمة معًا في الصخر. وتقول بيل تعليقًا على ذلك الاكتشاف: "أتذكر أننا وقفنا هناك نحكّ رؤوسنا من الحيرة، محاولينَ أن نفهم كيف سنتمكن من فصل كل هذه الأجزاء".
إعادة الديناصور سيرتَه الأولى
إنه لأمرٌ غريب أن تتحوّل إلى أحفورة! تَخيّل أنك تعيش حياةً كاملة لديناصور من نوع ديبلودوكس، تُلوِّح بذيلك الطويل جدًا في عالمك الجوراسي على مرّ سبعين عامًا أو أكثر قليلًا. ثم تموت؛ لكن في ظروفٍ استثنائية إلى حدٍّ بعيد، حيث تُدفن عظامك -على خلاف كل الاحتمالات- وتتحوّل مع مرور الزمن إلى حجر.
تنشأ جبالٌ من حولك ثم تتآكل. تأتي الأنهار وتذهب. وتزمجر الأنهار الجليدية فوقك. ومع ذلك، تصمد عظامك وتبقى. والأغرب من ذلك أنه بعد مئة مليون سنة أو أكثر، يهيمن نشاط بركاني على المنطقة. وعندما تبرد تلك السوائل المستعرة في نهاية المطاف وتنصرف، تصبح عظامك المتحجّرة خضراء اللون، تتخللها هنا وهناك بقع حمراء تشبه اللحم المشوي. ثم يأتي أغرب منعطف على الإطلاق: تعود إلى السطح بعد غياب دام 150 مليون سنة، وهناك يُعثَر عليك، وتُستخرَج، فيُعاد تركيبك على يد نوعٍ جديد لا يُتصوَّر في عالمٍ غريب وجديد.
الخطوة الأولى: الاكتشاف والحفر
رصد فريقٌ من "متحف التاريخ الطبيعي لمقاطعة لوس أنجلوس" أول مرة ديناصورًا من الصوروبودات، أطلقوا عليه اسم "ناتالي" (Gnatalie) عام 2007، بعد أن كشفت التعرية عن عظم ساقٍ واحد على مقربة من جرف في جنوب شرق ولاية يوتا الأميركية. وما وجدوه تحت سطح الأرض أعادهم إلى موقع التنقيب ذاك تسعة فصول صيفٍ تالية أخرى. كانت مجموعة العظام المكتشَفة تلك (وتعود لديناصورات ديبلودوكس وكاماراصوروس وألوصوروس وستيجوصوروس، وغيرها) قد جرفتها مياه أنهار ذلك الزمن لتتكدّس معًا فيما يشبه ركامًا من العظام. وحتى العيّنة المُعاد تركيبها، المعروضة في المتحف المذكور آنفًا منذ خريف 2024، لا تمثّل ديناصورًا واحدًا، بل تجمع أجزاءً من فردين أو أكثر من النوع نفسه الذي عُثر عليه في الموقع. ولم تُحدَّد هوية هذا النوع بعد، وقد يكون نوعًا جديدًا على العِلم. غير أنه، بعنقه وذيله الطويلين وسيقانه الأربع القوية، يشترك في كثير من خصائص جنس الديبلودوكس.
واشتُقَّ لقب "ناتالي" على نحو غير شاعري من اسم البعوض الصغير (Gnats) الذي قضّ مضاجع أعضاء الفريق في السنة الأولى من التنقيب. ولذا جعلوا مواسم التنقيب اللاحقة في ذروة الصيف، مفضّلين خطر الجفاف وضربات الشمس على لدغات ذلك البعوض. ومن بين المخاطر المعتادة الأخرى في موقع التنقيب، كانت أسود الجبال تترك آثار أقدامها في التراب، وكانت الأفاعي الجرسية تجد في بعض الأحيان مأوى لها تحت الأغطية القماشية للفريق. وفي إحدى المرات، ضربت صاعقة قمة جرف قريب، فاشتعلت النار في شجرة عرعر وحيدة. وتفرّق الجميع بحثًا عن ملجأ.
ولأن الموقع كان سهل الوصول نسبيًا -على مسافة يوم طويل بالسيارة من لوس أنجلوس- رأى فريق المتحف فيه فرصة لإطلاع الجمهور على آليات اشتغال العِلم المعني بالديناصورات، بمشاركة متطوعين ومتبرعين وطلاب يقومون بأعمال الحفر باستخدام المطارق والأزاميل. وفي إحدى الليالي، بينما كان أعضاء الفريق يخططون للعشاء، أجروا إحصاءً سريعًا، فاكتشفوا أن في المخيم خمسين شخصًا؛ منهم من كانت تلك أول مرة ينامون فيها في خيمة.
زادت وفرة العيّنات من تعقيد عملية التنقيب. إذْ تقول "أليسا بيل"، عالمة الأحافير لدى المتحف: "يشبه الأمرُ ممارسة لعبة العِيدانية [Jackstraws]، لكن بعظام ديناصورات. فهذه الأخيرة كلها متشابكة بإحكام". وفي نحو عام 2015، اكتشف الفريق ما تَبَيّن لاحقًا أنه عنق كامل وظهر وحوض لا تزال ملتحمة معًا في الصخر. وتقول بيل تعليقًا على ذلك الاكتشاف: "أتذكر أننا وقفنا هناك نحكّ رؤوسنا من الحيرة، محاولينَ أن نفهم كيف سنتمكن من فصل كل هذه الأجزاء".