غابات أميركـا الغامضـة

في قلب الأراضي الرطبة النائية بولاية فلوريدا، تُشكل غابات السرو شاهقة القمم أعجوبةً بيئية قلّما يراها الغرباء.

عندما رأيت هذه الأشجار البعيدة أول مرة، مشرئبةَ القمم في الأفق، بدت وكأنها ملعب يتزين بلون الليمون الأخضر. كان هذا المشهد بارتفاعه الشاهق علامةً تدل على نوع من الأراضي الرطبة المعزولة والخفية تقريبًا، وهي بقايا تحركات متمايلة دامت 6000 عام وما تزال مستمرة في جنوب ولاية فلوريدا الأميركية. عادةً ما تُرى هذه التجمعات الغريبة، المعروفة باسم قِباب السرو، من مسافة بعيدة على الطريق، وهي ترسم حوافّ "الجهاز العصبي المركزي" لِـ"إفرغلَيدز"، وهو نهر بعرض 80 كيلومترًا يمتد من "بحيرة أوكيشوبي" إلى الطرف الجنوبي من فلوريدا. وتمثل هذه المنطقة لدى معظم الأميركيين أرخبيلًا مجهولًا يقع في قلب المناطق الحدودية شبه الاستوائية. سيخبرك من دخلوا إحداها أنها مخيفة بعض الشيء، بل هي من عالم آخر. في مارس الماضي، كنت أتجول في تضاريس صخرية على درب مشي طويل يبعد 80 كيلومترًا غرب ميامي، يُسمى "غايتور هوك". وبعد أن شققتُ طريقي بين مجموعات من الأشجار الصغيرة، غامرت بالدخول إلى قلب قُبّة من أشجار السرو، وهي لغز بيئي حيّرني على مرّ عقود من الزمن. كنت أعرف شكلها الشبيه بالكعكة الحلقية (الدونات) منذ صغري؛ فقد كنت ألمح تلك القباب من بعيد وأنا أتنقل مع والديَّ بين مدينتَي "ساراسوتا" و"كي ويست" في ولاية فلوريدا. وقد كنت أرى تلك التشكيلات الغريبة من الأشجار في الأفق وأتساءل كيف يبدو شكلها من الداخل. وفي وقت لاحق، شرعتُ في إجراء رحلات دورية ومنتظمة إلى ذلك الأرخبيل المعروف باسم "كيز". بدأتُ رحلة الصيد من جزيرة "تشوكولوسكي" في غرب إفرغلَيدز، واكتشفت المناطق النائية شمال الساحل، وتجولت مشيًا في أجزاء مترامية من مستجمعات المياه بحثًا عن زهور السحلب (الأوركيد). قبل عقد من الزمن، بدأتُ الكتابة عن هذا المكان، وأمضيتُ فيه وقتًا أطول، ولكن على كل معرفتي بالمنطقة، ظلت تلك القِباب البعيدة تبدو غامضة في مخيلتي. أما الآن، فقد قادني حريقٌ مشتعلٌ في مكانٍ قريبٍ من "محمية بيغ سايبرس الوطنية" شرقًا إلى خط من الحجر الجيري المتكسر يُسمى "لوب رود" (طريق لوب). حتى في موسم الجفاف، قد تغمر هذه المنطقةَ طبقةٌ من الماء بطيئة الحركة، يصل ارتفاعها أحيانًا إلى أكثر من متر، ولكن مع الجفاف الشديد الذي يُخيّم على جنوب فلوريدا، وجدتُ نفسي أتعمق في قلب المناطق النائية، بل إلى مكان أبعد مما كنت أستطيع في العادة الوصول إليه مشيًا. بينما كنتُ أتجه جنوبًا نحو القبة، رأيتُ أزهار السحلب الفراشية والنباتات الهوائية مُتشبثة بالأشجار على طول حافتها. وبينما كنتُ أدخلُ المستنقعَ الظليلَ الذي يمتدُّ على مساحة ربع هكتار، عبرَ فجوةٍ في أشجارِ السروِ القزميةِ التي ترسم حافته، وجدتُ نفسي محاطًا بأشجار سروٍ جرداء عملاقة، تُذكِّرُ قواعدُها بأشجارِ السيكويا القديمة؛ وقد كانت مُغطَّاة بالأشناتِ الزرقاءِ والأرجوانية، وتدلت من لحائها النباتات الهوائية التي بدأتْ للتّو في التفتحِ ضمن باقاتٍ رقيقةٍ متنوعة الألوان، من الأرجواني المُحْمَر إلى الأخضر المصفَر والخزامي. 

غابات أميركـا الغامضـة

في قلب الأراضي الرطبة النائية بولاية فلوريدا، تُشكل غابات السرو شاهقة القمم أعجوبةً بيئية قلّما يراها الغرباء.

عندما رأيت هذه الأشجار البعيدة أول مرة، مشرئبةَ القمم في الأفق، بدت وكأنها ملعب يتزين بلون الليمون الأخضر. كان هذا المشهد بارتفاعه الشاهق علامةً تدل على نوع من الأراضي الرطبة المعزولة والخفية تقريبًا، وهي بقايا تحركات متمايلة دامت 6000 عام وما تزال مستمرة في جنوب ولاية فلوريدا الأميركية. عادةً ما تُرى هذه التجمعات الغريبة، المعروفة باسم قِباب السرو، من مسافة بعيدة على الطريق، وهي ترسم حوافّ "الجهاز العصبي المركزي" لِـ"إفرغلَيدز"، وهو نهر بعرض 80 كيلومترًا يمتد من "بحيرة أوكيشوبي" إلى الطرف الجنوبي من فلوريدا. وتمثل هذه المنطقة لدى معظم الأميركيين أرخبيلًا مجهولًا يقع في قلب المناطق الحدودية شبه الاستوائية. سيخبرك من دخلوا إحداها أنها مخيفة بعض الشيء، بل هي من عالم آخر. في مارس الماضي، كنت أتجول في تضاريس صخرية على درب مشي طويل يبعد 80 كيلومترًا غرب ميامي، يُسمى "غايتور هوك". وبعد أن شققتُ طريقي بين مجموعات من الأشجار الصغيرة، غامرت بالدخول إلى قلب قُبّة من أشجار السرو، وهي لغز بيئي حيّرني على مرّ عقود من الزمن. كنت أعرف شكلها الشبيه بالكعكة الحلقية (الدونات) منذ صغري؛ فقد كنت ألمح تلك القباب من بعيد وأنا أتنقل مع والديَّ بين مدينتَي "ساراسوتا" و"كي ويست" في ولاية فلوريدا. وقد كنت أرى تلك التشكيلات الغريبة من الأشجار في الأفق وأتساءل كيف يبدو شكلها من الداخل. وفي وقت لاحق، شرعتُ في إجراء رحلات دورية ومنتظمة إلى ذلك الأرخبيل المعروف باسم "كيز". بدأتُ رحلة الصيد من جزيرة "تشوكولوسكي" في غرب إفرغلَيدز، واكتشفت المناطق النائية شمال الساحل، وتجولت مشيًا في أجزاء مترامية من مستجمعات المياه بحثًا عن زهور السحلب (الأوركيد). قبل عقد من الزمن، بدأتُ الكتابة عن هذا المكان، وأمضيتُ فيه وقتًا أطول، ولكن على كل معرفتي بالمنطقة، ظلت تلك القِباب البعيدة تبدو غامضة في مخيلتي. أما الآن، فقد قادني حريقٌ مشتعلٌ في مكانٍ قريبٍ من "محمية بيغ سايبرس الوطنية" شرقًا إلى خط من الحجر الجيري المتكسر يُسمى "لوب رود" (طريق لوب). حتى في موسم الجفاف، قد تغمر هذه المنطقةَ طبقةٌ من الماء بطيئة الحركة، يصل ارتفاعها أحيانًا إلى أكثر من متر، ولكن مع الجفاف الشديد الذي يُخيّم على جنوب فلوريدا، وجدتُ نفسي أتعمق في قلب المناطق النائية، بل إلى مكان أبعد مما كنت أستطيع في العادة الوصول إليه مشيًا. بينما كنتُ أتجه جنوبًا نحو القبة، رأيتُ أزهار السحلب الفراشية والنباتات الهوائية مُتشبثة بالأشجار على طول حافتها. وبينما كنتُ أدخلُ المستنقعَ الظليلَ الذي يمتدُّ على مساحة ربع هكتار، عبرَ فجوةٍ في أشجارِ السروِ القزميةِ التي ترسم حافته، وجدتُ نفسي محاطًا بأشجار سروٍ جرداء عملاقة، تُذكِّرُ قواعدُها بأشجارِ السيكويا القديمة؛ وقد كانت مُغطَّاة بالأشناتِ الزرقاءِ والأرجوانية، وتدلت من لحائها النباتات الهوائية التي بدأتْ للتّو في التفتحِ ضمن باقاتٍ رقيقةٍ متنوعة الألوان، من الأرجواني المُحْمَر إلى الأخضر المصفَر والخزامي.