عالِمٌ حالِمٌ.. يحمل على عاتقه طموح الإمارات الفضائي
في فبراير 2021، أصبح "مسبار الأمل" أول بعثة فضائية عربية تصل إلى المريخ، فاتحًا صفحة جديدة في تاريخ استكشاف الفضاء بالمنطقة. غير أن رحلة الإمارات العربية المتحدة إلى الكوكب الأحمر لم تكن مجرد إنجاز تقني، بل مشروعًا علميًا ومعرفيًا طويل الأمد، هدفه بناء الخبرات الوطنية والإسهام في فهم أحد أكثر الكواكب إثارة للأسئلة. في هذا الحوار، يتحدث المهندس "محسن العوضي"، مدير المَهمات الفضائية لدى "وكالة الإمارات للفضاء"، عن الطموح الذي أطلق تلك البعثة، والاكتشافات التي حققتها، وما ينتظرها في السنوات المقبلة.
عندما تنظر اليوم إلى "مسبار الأمل" وهو يواصل دورانه حول المريخ، ما الفكرة التي تعتقدُ أنها كانت المحركَ الحقيقي لهذه المَهمة منذ البداية؟
منذ بلورة فكرة المشروع في عام 2014، لم يكن هدفنا مجرد الوصول إلى كوكب المريخ أو تسجيل سبق تاريخي. بل كانت الفكرة الجوهرية هي بناء منظومة علمية وطنية قادرة على إنتاج المعرفة والإسهام البنّاء في الجهد العِلمي العالمي. أردنا أن تكون المَهمة نقطة تحول تنقل دولة الإمارات من موقع المتلقي للمعرفة إلى موقع الشريك في إنتاجها، وأن تتيح لجيل جديد من العلماء والمهندسين الإماراتيين فرصة المشاركة في مشروع فضائي متقدم يترك أثرًا علميًا حقيقيًا. ولهذا السبب ارتبط تطوير المهمة ببناء الكفاءات الوطنية والعمل جنبًا إلى جنب مع مؤسسات بحثية عالمية للوصول إلى أهداف علمية واضحة تتسم بطموح لا حدود له.
أُرسلت عشرات المَهمات الفضائية إلى المريخ قبل "مسبار الأمل". فما السؤال الذي حاولتم الإجابة عنه بطريقة مختلفة؟
كان تركيزنا على فهم المريخ بوصفه نظامًا مناخيًا متكاملًا. صحيحٌ أن مَهمات كثيرة سابقة قدمت معلومات مهمة عن مناطق أو ظواهر محددة، لكننا أردنا أن نرى الصورة الكاملة. لذلك صُمم المسبار ليكون في مدار فريد يسمح له بمراقبة الكوكب على امتداد اليوم المريخي وفي مختلف الفصول. هذا المنظور الشامل أتاح لنا تتبّع العلاقة بين الظواهر الجوية المختلفة وفهم كيفية انتقال الطاقة والمادة بين طبقات الغلاف الجوي. وبفضل التكامل بين الأجهزة العلمية الثلاثة، "المقياس الطيفي بالأشعة تحت الحمراء" (EMIRS) و"المقياس الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية" (EMUS) و"كاميرا الاستكشاف الرقمية" (EXI)، أصبح بالإمكان للمرة الأولى ربط ما يحدث على مقربة من السطح بما يجري في الطبقات العليا؛ مما أتاح للعلماء فهمًا أوسع وأدق لديناميكية الغلاف الجوي للمريخ.
ما الاكتشاف أو النتيجة العلمية التي شعرت بأنها غيّرت نظرتنا إلى المريخ أكثر من غيرها؟
من الصعب اختيار نتيجة واحدة، لأن المَهمة حققت مجموعة من الإنجازات الجيدة. لكن من أبرزها، الحصول على بيانات وصور غير مسبوقة لقمر المريخ "ديموس"؛ مما فتح الباب أمام فهم أعمق لطبيعته وتكوينه. كما أن اكتشاف نوعين جديدين من الشفق المريخي (وهو ظاهرة كونية تتشكل عندما تتفاعل جُسيمات الرياح الشمسية المشحونة مع الغلاف الجوي للمريخ) أضاف بُعدًا جديدًا لدراسة التفاعلات بين الغلاف الجوي للكوكب والرياح الشمسية. والأهم من ذلك أن المهمة أنتجت كمًّا هائلًا من البيانات العلمية المفتوحة التي يستخدمها الباحثون في أنحاء العالم. فالقيمة الحقيقية لأي مَهمة فضائية لا تُقاس فقط بما تكتشفه، بل أيضًا بقدرتها على تمكين المجتمع العلمي من طرح أسئلة جديدة وبناء معرفة تراكمية مستدامة.
في فبراير الماضي، أعلنت وكالة الإمارات للفضاء رسميًا تمديد مهمة "مسبار الأمل" حتى عام 2028. ما الذي لا يزال يدفع إلى مواصلة الرحلة؟
ما زالت أمامنا أسئلة علمية كثيرة تستحق الاستكشاف. فالأجهزة العلمية للمسبار تعمل بكفاءة عالية، ولدينا فرصة فريدة لمتابعة تأثير النشاط الشمسي في الغلاف الجوي للمريخ ورصد تغيراته على مدى زمني أطول. كما نواصل دراسة "ديموس" ورصد ظواهر وأجرام فضائية أخرى يمكن متابعتها من موقع المسبار المميز. لكن إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر، فإن استمرار المهمة لا يتعلق بالمريخ وحده، بل بالإرث الذي تتركه. فالخبرات التي اكتسبها الفريق الوطني الإماراتي أصبحت اليوم أساسًا متينًا لمشاريع فضائية أكثر طموحًا وجرأة، وفي مقدمتها "مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات": أول مهمة فضائية عربية والأولى عالميًا لاستكشاف سبعة كويكبات رئيسة والهبوط على آخر كويكب. ومن المقرَّر أن تنطلق هذه الرحلة في عام 2028 وتقطع مسافة تقارب خمسة مليارات كيلومتر، وتستمر حتى عام 2033، بهدف دراسة أصول النظام الشمسي وتكوينه. ولهذا أرى أن "مسبار الأمل" لم يعد مجرد بعثة إلى المريخ، بل منصة مستمرة لبناء المعرفة وتطوير القدرات التي ستقود استكشافات المستقبل.
خضعت هذه المقابلة للمراجعة بهدف التوضيح والاختصار.
عالِمٌ حالِمٌ.. يحمل على عاتقه طموح الإمارات الفضائي
في فبراير 2021، أصبح "مسبار الأمل" أول بعثة فضائية عربية تصل إلى المريخ، فاتحًا صفحة جديدة في تاريخ استكشاف الفضاء بالمنطقة. غير أن رحلة الإمارات العربية المتحدة إلى الكوكب الأحمر لم تكن مجرد إنجاز تقني، بل مشروعًا علميًا ومعرفيًا طويل الأمد، هدفه بناء الخبرات الوطنية والإسهام في فهم أحد أكثر الكواكب إثارة للأسئلة. في هذا الحوار، يتحدث المهندس "محسن العوضي"، مدير المَهمات الفضائية لدى "وكالة الإمارات للفضاء"، عن الطموح الذي أطلق تلك البعثة، والاكتشافات التي حققتها، وما ينتظرها في السنوات المقبلة.
عندما تنظر اليوم إلى "مسبار الأمل" وهو يواصل دورانه حول المريخ، ما الفكرة التي تعتقدُ أنها كانت المحركَ الحقيقي لهذه المَهمة منذ البداية؟
منذ بلورة فكرة المشروع في عام 2014، لم يكن هدفنا مجرد الوصول إلى كوكب المريخ أو تسجيل سبق تاريخي. بل كانت الفكرة الجوهرية هي بناء منظومة علمية وطنية قادرة على إنتاج المعرفة والإسهام البنّاء في الجهد العِلمي العالمي. أردنا أن تكون المَهمة نقطة تحول تنقل دولة الإمارات من موقع المتلقي للمعرفة إلى موقع الشريك في إنتاجها، وأن تتيح لجيل جديد من العلماء والمهندسين الإماراتيين فرصة المشاركة في مشروع فضائي متقدم يترك أثرًا علميًا حقيقيًا. ولهذا السبب ارتبط تطوير المهمة ببناء الكفاءات الوطنية والعمل جنبًا إلى جنب مع مؤسسات بحثية عالمية للوصول إلى أهداف علمية واضحة تتسم بطموح لا حدود له.
أُرسلت عشرات المَهمات الفضائية إلى المريخ قبل "مسبار الأمل". فما السؤال الذي حاولتم الإجابة عنه بطريقة مختلفة؟
كان تركيزنا على فهم المريخ بوصفه نظامًا مناخيًا متكاملًا. صحيحٌ أن مَهمات كثيرة سابقة قدمت معلومات مهمة عن مناطق أو ظواهر محددة، لكننا أردنا أن نرى الصورة الكاملة. لذلك صُمم المسبار ليكون في مدار فريد يسمح له بمراقبة الكوكب على امتداد اليوم المريخي وفي مختلف الفصول. هذا المنظور الشامل أتاح لنا تتبّع العلاقة بين الظواهر الجوية المختلفة وفهم كيفية انتقال الطاقة والمادة بين طبقات الغلاف الجوي. وبفضل التكامل بين الأجهزة العلمية الثلاثة، "المقياس الطيفي بالأشعة تحت الحمراء" (EMIRS) و"المقياس الطيفي بالأشعة فوق البنفسجية" (EMUS) و"كاميرا الاستكشاف الرقمية" (EXI)، أصبح بالإمكان للمرة الأولى ربط ما يحدث على مقربة من السطح بما يجري في الطبقات العليا؛ مما أتاح للعلماء فهمًا أوسع وأدق لديناميكية الغلاف الجوي للمريخ.
ما الاكتشاف أو النتيجة العلمية التي شعرت بأنها غيّرت نظرتنا إلى المريخ أكثر من غيرها؟
من الصعب اختيار نتيجة واحدة، لأن المَهمة حققت مجموعة من الإنجازات الجيدة. لكن من أبرزها، الحصول على بيانات وصور غير مسبوقة لقمر المريخ "ديموس"؛ مما فتح الباب أمام فهم أعمق لطبيعته وتكوينه. كما أن اكتشاف نوعين جديدين من الشفق المريخي (وهو ظاهرة كونية تتشكل عندما تتفاعل جُسيمات الرياح الشمسية المشحونة مع الغلاف الجوي للمريخ) أضاف بُعدًا جديدًا لدراسة التفاعلات بين الغلاف الجوي للكوكب والرياح الشمسية. والأهم من ذلك أن المهمة أنتجت كمًّا هائلًا من البيانات العلمية المفتوحة التي يستخدمها الباحثون في أنحاء العالم. فالقيمة الحقيقية لأي مَهمة فضائية لا تُقاس فقط بما تكتشفه، بل أيضًا بقدرتها على تمكين المجتمع العلمي من طرح أسئلة جديدة وبناء معرفة تراكمية مستدامة.
في فبراير الماضي، أعلنت وكالة الإمارات للفضاء رسميًا تمديد مهمة "مسبار الأمل" حتى عام 2028. ما الذي لا يزال يدفع إلى مواصلة الرحلة؟
ما زالت أمامنا أسئلة علمية كثيرة تستحق الاستكشاف. فالأجهزة العلمية للمسبار تعمل بكفاءة عالية، ولدينا فرصة فريدة لمتابعة تأثير النشاط الشمسي في الغلاف الجوي للمريخ ورصد تغيراته على مدى زمني أطول. كما نواصل دراسة "ديموس" ورصد ظواهر وأجرام فضائية أخرى يمكن متابعتها من موقع المسبار المميز. لكن إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر، فإن استمرار المهمة لا يتعلق بالمريخ وحده، بل بالإرث الذي تتركه. فالخبرات التي اكتسبها الفريق الوطني الإماراتي أصبحت اليوم أساسًا متينًا لمشاريع فضائية أكثر طموحًا وجرأة، وفي مقدمتها "مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات": أول مهمة فضائية عربية والأولى عالميًا لاستكشاف سبعة كويكبات رئيسة والهبوط على آخر كويكب. ومن المقرَّر أن تنطلق هذه الرحلة في عام 2028 وتقطع مسافة تقارب خمسة مليارات كيلومتر، وتستمر حتى عام 2033، بهدف دراسة أصول النظام الشمسي وتكوينه. ولهذا أرى أن "مسبار الأمل" لم يعد مجرد بعثة إلى المريخ، بل منصة مستمرة لبناء المعرفة وتطوير القدرات التي ستقود استكشافات المستقبل.
خضعت هذه المقابلة للمراجعة بهدف التوضيح والاختصار.