متحفٌ يروي قصة الإنسان على أرض الإمارات
في أبوظبي، يدعوك "متحف زايد الوطني" إلى رحلة تمتد عبر مئات آلاف السنين، تتقاطع فيها الذاكرة الإنسانية مع إرث أُمةٍ نسجت لنفسها مستقبلًا من خيوط ماضٍ ضارب الجذور في العراقة.في قلب المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات في أبوظبي، ينبثق "متحف زايد الوطني" بأبراج ترتفع كأجنحة صقرٍ يستعد للتحليق، مستلهمةً رمزًا عميقًا في الثقافة الإماراتية. غير أن هذه الأجنحة الخمسة لا تحلّق في الفراغ، بل تحتضن فضاءً إنسانيًا يزخر بالكنوز الأثرية ويفيض بالمعاني والدلالات.
يضم المتحف ست صالات عرض دائمة وصالة عرض مؤقتة وحديقة خارجية. وتقوم قصته على إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه؛ فهو الشخصية الرئيسية التي تضيء بقيّمها كل صالة من صالات العرض في المتحف. ههنا تتوقف طويلًا أمام صور الشيخ زايد وهو يجلس بين أبناء قبيلته على الرمل، لا فرق بينه وبينهم إلا ما أودعه الله فيه من حكمة وبُعد نظر. وقد آمن بأن فهم الماضي ضرورة لبناء المستقبل؛ ولذا وابتداءً من أواخر خمسينيات القرن العشرين، دعم أعمال التنقيب الأثري وأسهم في حماية مكتشفات كشفت للعالم عمق التاريخ الإنساني في هذه المنطقة.
واليوم، يواصل المتحف هذا الإرث عبر الأبحاث العلمية وحفظ المقتنيات وبرامج تعليمية تتيح لجميع الزوار خوض رحلة الاكتشاف. فما إن تطأ قدماك أروقة متحف زايد الوطني حتى تُدرك أنك تَعبر بوابة زمنية تربط الماضي العريق بالحاضر المجيد. ففي صالة "بداياتنا"، ترى بعض أقدم الشواهد على النشاط البشري في دولة الإمارات، والتي تعود إلى أكثر من 300 ألف عام.. زمنٌ يكشف أن قصة هذا البلد أعرق بكثير من تاريخه الحديث. قصةٌ تبدأ مع أوائل البشر القادمين من إفريقيا، الذين عبروا هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية حاملين تقنيات صناعة الأدوات الحجرية، قبل أن يواصل بعضهم الرحلة نحو آسيا وأستراليا، فيما اختار آخرون الاستقرار في هذه البيئة الغنية.لا يقدّم المتحفُ التاريخَ بوصفه سردًا جامدًا، بل تجربةً غامرة تدعوك إلى إعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان والمكان. إذْ يزخر بقطع أثرية وشهادات تاريخية تحكي قصص الصحراء والبحر، وتدعوك لتأمل كيف استطاع الإنسان الإماراتي أن يحوّل التحديات إلى فرص وأن يبني مجتمعًا نابضًا بالحياة. ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من معروضات المتحف هي إهداءات شخصية من أفراد آثروا التخلي عنها -على حبّها وقيمتها الكبيرة- والتبرع بها للمتحف تعبيرًا عن حبهم لهذا الوطن وفخرهم بالانتماء له.
عبر صالات العرض الدائمة، تنفتح طبقات متعاقبة من الزمن؛ ففي صالة "إلى أسلافنا"، تكشف الأدوات الحجرية عن حياة السكان الأوائل. وتستعيد اللقى الأثرية من جزيرتَي "مروح" "وغاغا" تفاصيل مجتمعاتٍ ازدهرت قبل أكثر من ثمانية آلاف عام، اعتمد أهلها على صيد الأسماك وتربية الماشية وجمع اللؤلؤ؛ وذلك ما ستجده متجسِّدًا في صالة "في سواحلنا" التي تستعرض تلك الأنشطة البحرية والتجارية وتُبرز دورها وأثرها في تشكيل الهوية الإماراتية.
ومن بين القصص الأكثر إدهاشًا، يبرز مَدفن امرأة اكتُشف في جزيرة مروح، عاشت قبل آلاف السنين وتجاوز عمرها الخمسين عامًا -وهو عمر استثنائي بمقاييس زمانها- زُيّنت بمقتنيات جنائزية دقيقة الصنع، في دلالة على المكانة التي حظيت بها داخل مجتمعها. تفاصيل كهذه تُذكّرك بأن الإنسان، بآماله ومعتقداته وطقوسه، ظلّ دائمًا في قلب الحكاية. ومع مغادرتك آخر صالات العرض، "من جذورنا"، تصل إلى "حديقة المسار"؛ فتشعر بأنك انتقلت إلى مساحة تتجاوز كونها مجرد امتداد خارجي للمتحف. ههنا تنساب الممرات بهدوء بين النباتات المحلية والأشجار التي طالما شكّلت جزءًا من المشهد الطبيعي لدولة الإمارات. وما هي إلا لحظات حتى تجد نفسك قد غُصت في بحر من التأملات في الإرث الذي تركه الشيخ زايد -رحمه الله- والذي تجلّى في إيمانه بأن حماية البيئة والحفاظ على التنوع الطبيعي جزء لا يتجزأ من بناء الأوطان. فليست هذه الحديقة مجرد فضاء للراحة بين قاعات العرض، بل محطة تدعوك إلى التمهّل واستحضار القيّم التي قامت عليها مسيرة الإمارات؛ قيّم الانتماء والاستدامة والتعايش مع الطبيعة. وهكذا يقف متحف زايد الوطني، لا حارسًا للذاكرة فحسب، بل جسرًا يَعبر عليه الزمن من حكايةٍ بدأت في الصحراء إلى أفقٍ لا يزال يُكتب بمداد من ذهب في تاريخ الإنسانية.
متحفٌ يروي قصة الإنسان على أرض الإمارات
في أبوظبي، يدعوك "متحف زايد الوطني" إلى رحلة تمتد عبر مئات آلاف السنين، تتقاطع فيها الذاكرة الإنسانية مع إرث أُمةٍ نسجت لنفسها مستقبلًا من خيوط ماضٍ ضارب الجذور في العراقة.في قلب المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات في أبوظبي، ينبثق "متحف زايد الوطني" بأبراج ترتفع كأجنحة صقرٍ يستعد للتحليق، مستلهمةً رمزًا عميقًا في الثقافة الإماراتية. غير أن هذه الأجنحة الخمسة لا تحلّق في الفراغ، بل تحتضن فضاءً إنسانيًا يزخر بالكنوز الأثرية ويفيض بالمعاني والدلالات.
يضم المتحف ست صالات عرض دائمة وصالة عرض مؤقتة وحديقة خارجية. وتقوم قصته على إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه؛ فهو الشخصية الرئيسية التي تضيء بقيّمها كل صالة من صالات العرض في المتحف. ههنا تتوقف طويلًا أمام صور الشيخ زايد وهو يجلس بين أبناء قبيلته على الرمل، لا فرق بينه وبينهم إلا ما أودعه الله فيه من حكمة وبُعد نظر. وقد آمن بأن فهم الماضي ضرورة لبناء المستقبل؛ ولذا وابتداءً من أواخر خمسينيات القرن العشرين، دعم أعمال التنقيب الأثري وأسهم في حماية مكتشفات كشفت للعالم عمق التاريخ الإنساني في هذه المنطقة.
واليوم، يواصل المتحف هذا الإرث عبر الأبحاث العلمية وحفظ المقتنيات وبرامج تعليمية تتيح لجميع الزوار خوض رحلة الاكتشاف. فما إن تطأ قدماك أروقة متحف زايد الوطني حتى تُدرك أنك تَعبر بوابة زمنية تربط الماضي العريق بالحاضر المجيد. ففي صالة "بداياتنا"، ترى بعض أقدم الشواهد على النشاط البشري في دولة الإمارات، والتي تعود إلى أكثر من 300 ألف عام.. زمنٌ يكشف أن قصة هذا البلد أعرق بكثير من تاريخه الحديث. قصةٌ تبدأ مع أوائل البشر القادمين من إفريقيا، الذين عبروا هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية حاملين تقنيات صناعة الأدوات الحجرية، قبل أن يواصل بعضهم الرحلة نحو آسيا وأستراليا، فيما اختار آخرون الاستقرار في هذه البيئة الغنية.لا يقدّم المتحفُ التاريخَ بوصفه سردًا جامدًا، بل تجربةً غامرة تدعوك إلى إعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان والمكان. إذْ يزخر بقطع أثرية وشهادات تاريخية تحكي قصص الصحراء والبحر، وتدعوك لتأمل كيف استطاع الإنسان الإماراتي أن يحوّل التحديات إلى فرص وأن يبني مجتمعًا نابضًا بالحياة. ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من معروضات المتحف هي إهداءات شخصية من أفراد آثروا التخلي عنها -على حبّها وقيمتها الكبيرة- والتبرع بها للمتحف تعبيرًا عن حبهم لهذا الوطن وفخرهم بالانتماء له.
عبر صالات العرض الدائمة، تنفتح طبقات متعاقبة من الزمن؛ ففي صالة "إلى أسلافنا"، تكشف الأدوات الحجرية عن حياة السكان الأوائل. وتستعيد اللقى الأثرية من جزيرتَي "مروح" "وغاغا" تفاصيل مجتمعاتٍ ازدهرت قبل أكثر من ثمانية آلاف عام، اعتمد أهلها على صيد الأسماك وتربية الماشية وجمع اللؤلؤ؛ وذلك ما ستجده متجسِّدًا في صالة "في سواحلنا" التي تستعرض تلك الأنشطة البحرية والتجارية وتُبرز دورها وأثرها في تشكيل الهوية الإماراتية.
ومن بين القصص الأكثر إدهاشًا، يبرز مَدفن امرأة اكتُشف في جزيرة مروح، عاشت قبل آلاف السنين وتجاوز عمرها الخمسين عامًا -وهو عمر استثنائي بمقاييس زمانها- زُيّنت بمقتنيات جنائزية دقيقة الصنع، في دلالة على المكانة التي حظيت بها داخل مجتمعها. تفاصيل كهذه تُذكّرك بأن الإنسان، بآماله ومعتقداته وطقوسه، ظلّ دائمًا في قلب الحكاية. ومع مغادرتك آخر صالات العرض، "من جذورنا"، تصل إلى "حديقة المسار"؛ فتشعر بأنك انتقلت إلى مساحة تتجاوز كونها مجرد امتداد خارجي للمتحف. ههنا تنساب الممرات بهدوء بين النباتات المحلية والأشجار التي طالما شكّلت جزءًا من المشهد الطبيعي لدولة الإمارات. وما هي إلا لحظات حتى تجد نفسك قد غُصت في بحر من التأملات في الإرث الذي تركه الشيخ زايد -رحمه الله- والذي تجلّى في إيمانه بأن حماية البيئة والحفاظ على التنوع الطبيعي جزء لا يتجزأ من بناء الأوطان. فليست هذه الحديقة مجرد فضاء للراحة بين قاعات العرض، بل محطة تدعوك إلى التمهّل واستحضار القيّم التي قامت عليها مسيرة الإمارات؛ قيّم الانتماء والاستدامة والتعايش مع الطبيعة. وهكذا يقف متحف زايد الوطني، لا حارسًا للذاكرة فحسب، بل جسرًا يَعبر عليه الزمن من حكايةٍ بدأت في الصحراء إلى أفقٍ لا يزال يُكتب بمداد من ذهب في تاريخ الإنسانية.