هكذا طاولت كاتدرائية ساغرادا فاميـليا السماء

تُعد كنيسة برشلونة هذه من أشهر كاتدرائيات العالم، وهي الآن الأطول على سطح كوكبنا. وإذْ تُخَلد إسبانيا الذكرى المئوية لوفاة "أنطوني غاودي"، إليكم كيف صارت التحفة الأعظم لهذا المِعماري الشهير -وهي قيد الإنشاء منذ 144 عامًا- قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال.

في خريف عام 1883، وقع الاختيار على مهندس معماري كاتالوني مغمور لتولي بناء كاتدرائية في ما كان آنذاك ضاحية برشلونة بإسبانيا. كانت الخطط الأولية تقضي بإعداد تصميم مهيب وتقليدي على الطراز القوطي، يشبه تصاميم الكاتدرائيات الكبرى الأخرى في أوروبا. لكن المِعماري الشاب، "أنطوني غاودي كورنيت"، كانت لديه أفكار أخرى. بل كانت أفكاره غزيرة جدا إلى درجة أن كاتدرائية "ساغرادا فاميليا" (وهي مشروع عمل عليه غاودي حتى وفاته عام 1926) مشهورة بأنها لا تزال غير مكتملة. والآن، في الذكرى المئوية لوفاة هذا المِعماري، بدأ تصوره الشامل يتبلور في آخر المطاف. فمع وصول أعمال البناء إلى ذروتها قبل الذكرى المئوية، صارت ساغرادا فاميليا أطول كنيسة في العالم. فهذه الكاتدرائية تقف شامخة فوق منطقة من المدينة تتسم بمبانيها المنخفضة، وهي تشبه مجموعة أشجار كثيفة ورشيقة.. في تعبير مذهل عن إصرار غاودي وخياله الجامح وإبداعه التقني. في العام الماضي، منح "البابا فرنسيس" غاودي لقب "المبجَّل"، مما عزز التكهنات بأنه سيكون أول معماري يُنعَم عليه برتبة القِدّيسيَّة. وتُعد كاتدرائيته، التي أصبحت الآن أكثر المعالم السياحية شعبية في إسبانيا، شعارًا مميِّزًا لبرشلونة؛ إذْ ترمز إلى مُضَيِّفَتها مثلما يرمز "جسر غولدن غيت" إلى سان فرنسيسكو أو "الكولوسيوم" إلى روما. كان غاودي شخصًا مفعمًا بالتناقضات. فقد وُلد في عام 1852 لعائلة تعمل بصناعة النحاس، وتعاطف في شبابه مع الفوضويين الثائرين والملحدين قبل أن يعتنق الكاثوليكية المتشددة. وكان يتمتع بشخصية مستقلة ومثيرة للخصام أحيانا، لكنه نجح في قيادة فرق متعاونة من البنائين والنحاتين والمهندسين أثناء عمله في مئات المشاريع. وكان أيضًا قوميًا كاتالونيا شرسًا، عارض الحكومة الإسبانية في مدريد، ليصبح بعد ذلك -إلى جانب بيكاسو- أحد أشهر أبناء الأمة. وكان كذلك معماريًا يحب الارتجال، وغالبًا ما كان يُعدّل الرسومات في الموقع؛ وهي عادةٌ كانت تثير حفيظة كثير من العملاء، لكنها سمحت له، عن طريق التجربة والخطأ، بتطوير أسلوب متفرد خاص به، أسلوب يستلهم عناصره في المقام الأول من الأشكال العضوية للطبيعة. في هذا السياق، شَكَّل "قصر غويل" نقطةَ انطلاق رئيسة، وهو منزل فخم بمنطقة حديثة في برشلونة شيَّده هذا المِعماري بتكليف من راعيه الرئيس "أوسيبي غويل"، صاحب مصانع ثري. ففي هذا العمل، استكشف غاودي إمكانات القوس السلسلية، المتمثلة في منحنى طبيعي على شكل قطع مكافئ يُستخدم عادة لضبط الشد في الجسور المعلقة. وصَمَّم صالونًا يعلو بنحو 17 مترًا عن مركز المنزل؛ وفي الأعلى قبة مدعومة بأربعة أقواس سلسلية، كصحن مصغَّر لكاتدرائية عملاقة. أما في ساغرادا فاميليا، فقد تمكن غاودي، بفضل الأقواس السلسلية، من اعتماد عَمارة عمودية أكثر اتساعًا وتهوية وتميزًا، بدلًا من الدعامات الطائرة التي تميز الكاتدرائيات ذات الطراز القوطي؛ والتي كانت ثقيلة ومتصلة بالأرض على الرغم من اسمها. فقد وضع تصورًا لكاتدرائية ذات 18 برجًا: برج لكلٍّ من الإنجيلِيِّين الأربعة والحواريين الاثني عشر والسيدة مريم العذراء والسيد المسيح. ومع تعمق إيمان غاودي وزهده في أواخر حياته، انتقل للعيش في ورشته بكاتدرائية ساغرادا فاميليا. وبدا الأمر كما لو أنه أراد أن يكون أقرب إلى عمله وإلى الله في الوقت نفسه. هنالك أصبحت ميزانية الكاتدرائية محدودة للغاية، حتى إن غاودي بدأ في الإلحاح على الأصدقاء وحتى المارة للحصول على تبرعات (لم تكن وتيرة البناء مَثار قلق له. فقد قال عبارته الشهيرة عن إلهامه الإلهي، "مُوَكِّلي ليس في عجلة من أمره"). بليَت ملابسه واستطالت لحيته إلى درجة أنه عندما صدمه ترام المدينة بعد ظهر أحد الأيام، تُرك ملقى ومصابًا في الشارع، واعتُقد أنه متشرد. ومع ذلك، عندما توفي بعد ثلاثة أيام على الحادث، تصدر هذا الخبر عناوين الصفحات الأولى، واحتشد الجمهور على الأرصفة لمشاهدة موكب جنازته.

هكذا طاولت كاتدرائية ساغرادا فاميـليا السماء

تُعد كنيسة برشلونة هذه من أشهر كاتدرائيات العالم، وهي الآن الأطول على سطح كوكبنا. وإذْ تُخَلد إسبانيا الذكرى المئوية لوفاة "أنطوني غاودي"، إليكم كيف صارت التحفة الأعظم لهذا المِعماري الشهير -وهي قيد الإنشاء منذ 144 عامًا- قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال.

في خريف عام 1883، وقع الاختيار على مهندس معماري كاتالوني مغمور لتولي بناء كاتدرائية في ما كان آنذاك ضاحية برشلونة بإسبانيا. كانت الخطط الأولية تقضي بإعداد تصميم مهيب وتقليدي على الطراز القوطي، يشبه تصاميم الكاتدرائيات الكبرى الأخرى في أوروبا. لكن المِعماري الشاب، "أنطوني غاودي كورنيت"، كانت لديه أفكار أخرى. بل كانت أفكاره غزيرة جدا إلى درجة أن كاتدرائية "ساغرادا فاميليا" (وهي مشروع عمل عليه غاودي حتى وفاته عام 1926) مشهورة بأنها لا تزال غير مكتملة. والآن، في الذكرى المئوية لوفاة هذا المِعماري، بدأ تصوره الشامل يتبلور في آخر المطاف. فمع وصول أعمال البناء إلى ذروتها قبل الذكرى المئوية، صارت ساغرادا فاميليا أطول كنيسة في العالم. فهذه الكاتدرائية تقف شامخة فوق منطقة من المدينة تتسم بمبانيها المنخفضة، وهي تشبه مجموعة أشجار كثيفة ورشيقة.. في تعبير مذهل عن إصرار غاودي وخياله الجامح وإبداعه التقني. في العام الماضي، منح "البابا فرنسيس" غاودي لقب "المبجَّل"، مما عزز التكهنات بأنه سيكون أول معماري يُنعَم عليه برتبة القِدّيسيَّة. وتُعد كاتدرائيته، التي أصبحت الآن أكثر المعالم السياحية شعبية في إسبانيا، شعارًا مميِّزًا لبرشلونة؛ إذْ ترمز إلى مُضَيِّفَتها مثلما يرمز "جسر غولدن غيت" إلى سان فرنسيسكو أو "الكولوسيوم" إلى روما. كان غاودي شخصًا مفعمًا بالتناقضات. فقد وُلد في عام 1852 لعائلة تعمل بصناعة النحاس، وتعاطف في شبابه مع الفوضويين الثائرين والملحدين قبل أن يعتنق الكاثوليكية المتشددة. وكان يتمتع بشخصية مستقلة ومثيرة للخصام أحيانا، لكنه نجح في قيادة فرق متعاونة من البنائين والنحاتين والمهندسين أثناء عمله في مئات المشاريع. وكان أيضًا قوميًا كاتالونيا شرسًا، عارض الحكومة الإسبانية في مدريد، ليصبح بعد ذلك -إلى جانب بيكاسو- أحد أشهر أبناء الأمة. وكان كذلك معماريًا يحب الارتجال، وغالبًا ما كان يُعدّل الرسومات في الموقع؛ وهي عادةٌ كانت تثير حفيظة كثير من العملاء، لكنها سمحت له، عن طريق التجربة والخطأ، بتطوير أسلوب متفرد خاص به، أسلوب يستلهم عناصره في المقام الأول من الأشكال العضوية للطبيعة. في هذا السياق، شَكَّل "قصر غويل" نقطةَ انطلاق رئيسة، وهو منزل فخم بمنطقة حديثة في برشلونة شيَّده هذا المِعماري بتكليف من راعيه الرئيس "أوسيبي غويل"، صاحب مصانع ثري. ففي هذا العمل، استكشف غاودي إمكانات القوس السلسلية، المتمثلة في منحنى طبيعي على شكل قطع مكافئ يُستخدم عادة لضبط الشد في الجسور المعلقة. وصَمَّم صالونًا يعلو بنحو 17 مترًا عن مركز المنزل؛ وفي الأعلى قبة مدعومة بأربعة أقواس سلسلية، كصحن مصغَّر لكاتدرائية عملاقة. أما في ساغرادا فاميليا، فقد تمكن غاودي، بفضل الأقواس السلسلية، من اعتماد عَمارة عمودية أكثر اتساعًا وتهوية وتميزًا، بدلًا من الدعامات الطائرة التي تميز الكاتدرائيات ذات الطراز القوطي؛ والتي كانت ثقيلة ومتصلة بالأرض على الرغم من اسمها. فقد وضع تصورًا لكاتدرائية ذات 18 برجًا: برج لكلٍّ من الإنجيلِيِّين الأربعة والحواريين الاثني عشر والسيدة مريم العذراء والسيد المسيح. ومع تعمق إيمان غاودي وزهده في أواخر حياته، انتقل للعيش في ورشته بكاتدرائية ساغرادا فاميليا. وبدا الأمر كما لو أنه أراد أن يكون أقرب إلى عمله وإلى الله في الوقت نفسه. هنالك أصبحت ميزانية الكاتدرائية محدودة للغاية، حتى إن غاودي بدأ في الإلحاح على الأصدقاء وحتى المارة للحصول على تبرعات (لم تكن وتيرة البناء مَثار قلق له. فقد قال عبارته الشهيرة عن إلهامه الإلهي، "مُوَكِّلي ليس في عجلة من أمره"). بليَت ملابسه واستطالت لحيته إلى درجة أنه عندما صدمه ترام المدينة بعد ظهر أحد الأيام، تُرك ملقى ومصابًا في الشارع، واعتُقد أنه متشرد. ومع ذلك، عندما توفي بعد ثلاثة أيام على الحادث، تصدر هذا الخبر عناوين الصفحات الأولى، واحتشد الجمهور على الأرصفة لمشاهدة موكب جنازته.