ثمة مكوّن سري في أحد أشهر أجبـان إيطاليا: اليـرقات
كانت اليرقات تقفز تحت الإضاءة الخافتة لمصباح مصنوع من قنينة شراب. كنت مستعدًا لرؤيتها وهي تتلوى، بعد أن أمضيت أسابيع في البحث والتأمل في "كاسو مارزو" (Casu marzu)، وهي جبنة من سردينيا مليئة بيرقات الذباب؛ إلا أن قفزها ذاك شَكّل مفاجأة لي. كان مُضَيّفنا، وهو كبير الطهاة لدى مطعم بمدينة "دورغالي" الصغيرة في شرق جزيرة سردينيا، قد أتمّ للتو صنع قُرص خشن من "كاسو مارزو". نَحتَ دائرة في الجزء العلوي ونزع القشرة السميكة كما لو كانت غطاءً، فطفقت بعض اليرقات التي اتخذت من الجبنة مسكنًا لها، تقفز خارج القرص وكأنها فقاعات تتصاعد في كأس من مشروب غازي. أخذ كبير الطهاة قطعة من خبز "كاراساو" الرقيق، ودهنها بطبقة وافرة من جبنة "كاسو مارزو"، ثم قدمها لي. لم يَمضِ على وجودي في سردينيا حينها سوى ست ساعات؛ وبصراحة، فكرت أن أُمضي وقتًا أطول.
"كاسو مارزو"، وتعني بلسان أهل سردينيا "الجبن المتعفّن"، هو الاسم الأكثر شيوعًا لجبن يُسمح لِـ"ذبابة الجبن" (Piophila casei) بوضع بيوضها فيه. بعد ذلك، تفقس اليرقات وتبدأ في تناول الجبن وهضمه وإفرازه؛ مما يمنحه قوامًا قشديًا فريدًا يشبه في مظهره حقلًا محروثًا بعناية. وتُعد هذه الجبنة مَصدر فخر ثقافي متجذر في سردينيا، ومحل فضول ودهشة كبيرين خارجها. في الآونة الأخيرة، امتلأت منصات "تيك توك" و"إنستغرام" بضحكات وصرخات الزوار الذين يجربون ما تصفه موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية بِـ"أخطر جبن في العالم". (نظريًا، قد تنجو اليرقة من الجهاز الهضمي للإنسان فتعيث فيه فسادًا؛ رغم أن طبيب الجهاز الهضمي الخاص بي منحني مباركته مازحًا قبل سفري).
بعيدًا عن شهرة سردينيا بصفتها وجهة للأثرياء تتميز بالبحار المتلألئة واليخوت الفاخرة، تظل هذه الجزيرة في جوهرها مملكة للرعاة، حيث يشكل عملهم العريق ركيزة أساسية لاقتصاد الجزيرة وهويتها. إذْ يوجد في سردينيا عدد من الأغنام يقارب ضعف عدد سكانها، وتنتج الجزيرة عشرات الآلاف من أطنان الجبن سنويًا، ومنها أكثر من 90 بالمئة من الإنتاج العالمي لجبن "بيكورينو رومانو".
وحيثما وُجد الجبن، وُجد الذباب. وظل تحويل التعفن الطبيعي إلى عمل من أعمال فن الطهي سمة عبقرية خالصة لدى أهل سردينيا. وثمة إجماع عام على أن هذا التقليد يعود إلى قرون مضت، على الأقل. واليوم، لا يزال "كاسو مارزو" متغلغلًا بعمق في النسيج الاجتماعي للحياة في سردينيا. ففي نزهة صيفية، قد يحضر أحدهم نبيذًا منزلي الصنع، وآخر عسلًا من خلية نحل، فيما يأتي ثالثهم بقرص من جبن اليرقات هذا. ويروي بعض أهل سردينيا قصصًا عن كونه منشطًا جنسيًا، فيما يرى آخرون أنه يُسهم في حِمية "المناطق الزرقاء" التي يُنسَب إليها كثرة المعمّرين في الجزيرة. لكن الحقيقة هي أن كثيرين منهم يحبونه.. ببساطة.
في عام 1962، حظر التشريع الإيطالي المبيعات التجارية لهذا الجبن بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة. وحَظر قانونٌ أشمل صدر في عام 2002 تجارة "كاسو مارزو" داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإنه لا يزال متاحًا لأهل سردينيا الذين يعرفون أين يبحثون عنه. وبين وضعه السري وحقيقة أن الإنتاج يتم على نطاق ضيق، من الصعب تحديد عدد الرعاة الذين يصنعون "كاسو مارزو"؛ على أن أحد التقديرات يشير إلى أنهم ينتجون أكثر من 90 ألف كيلوجرام سنويًا.
ثمة مكوّن سري في أحد أشهر أجبـان إيطاليا: اليـرقات
كانت اليرقات تقفز تحت الإضاءة الخافتة لمصباح مصنوع من قنينة شراب. كنت مستعدًا لرؤيتها وهي تتلوى، بعد أن أمضيت أسابيع في البحث والتأمل في "كاسو مارزو" (Casu marzu)، وهي جبنة من سردينيا مليئة بيرقات الذباب؛ إلا أن قفزها ذاك شَكّل مفاجأة لي. كان مُضَيّفنا، وهو كبير الطهاة لدى مطعم بمدينة "دورغالي" الصغيرة في شرق جزيرة سردينيا، قد أتمّ للتو صنع قُرص خشن من "كاسو مارزو". نَحتَ دائرة في الجزء العلوي ونزع القشرة السميكة كما لو كانت غطاءً، فطفقت بعض اليرقات التي اتخذت من الجبنة مسكنًا لها، تقفز خارج القرص وكأنها فقاعات تتصاعد في كأس من مشروب غازي. أخذ كبير الطهاة قطعة من خبز "كاراساو" الرقيق، ودهنها بطبقة وافرة من جبنة "كاسو مارزو"، ثم قدمها لي. لم يَمضِ على وجودي في سردينيا حينها سوى ست ساعات؛ وبصراحة، فكرت أن أُمضي وقتًا أطول.
"كاسو مارزو"، وتعني بلسان أهل سردينيا "الجبن المتعفّن"، هو الاسم الأكثر شيوعًا لجبن يُسمح لِـ"ذبابة الجبن" (Piophila casei) بوضع بيوضها فيه. بعد ذلك، تفقس اليرقات وتبدأ في تناول الجبن وهضمه وإفرازه؛ مما يمنحه قوامًا قشديًا فريدًا يشبه في مظهره حقلًا محروثًا بعناية. وتُعد هذه الجبنة مَصدر فخر ثقافي متجذر في سردينيا، ومحل فضول ودهشة كبيرين خارجها. في الآونة الأخيرة، امتلأت منصات "تيك توك" و"إنستغرام" بضحكات وصرخات الزوار الذين يجربون ما تصفه موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية بِـ"أخطر جبن في العالم". (نظريًا، قد تنجو اليرقة من الجهاز الهضمي للإنسان فتعيث فيه فسادًا؛ رغم أن طبيب الجهاز الهضمي الخاص بي منحني مباركته مازحًا قبل سفري).
بعيدًا عن شهرة سردينيا بصفتها وجهة للأثرياء تتميز بالبحار المتلألئة واليخوت الفاخرة، تظل هذه الجزيرة في جوهرها مملكة للرعاة، حيث يشكل عملهم العريق ركيزة أساسية لاقتصاد الجزيرة وهويتها. إذْ يوجد في سردينيا عدد من الأغنام يقارب ضعف عدد سكانها، وتنتج الجزيرة عشرات الآلاف من أطنان الجبن سنويًا، ومنها أكثر من 90 بالمئة من الإنتاج العالمي لجبن "بيكورينو رومانو".
وحيثما وُجد الجبن، وُجد الذباب. وظل تحويل التعفن الطبيعي إلى عمل من أعمال فن الطهي سمة عبقرية خالصة لدى أهل سردينيا. وثمة إجماع عام على أن هذا التقليد يعود إلى قرون مضت، على الأقل. واليوم، لا يزال "كاسو مارزو" متغلغلًا بعمق في النسيج الاجتماعي للحياة في سردينيا. ففي نزهة صيفية، قد يحضر أحدهم نبيذًا منزلي الصنع، وآخر عسلًا من خلية نحل، فيما يأتي ثالثهم بقرص من جبن اليرقات هذا. ويروي بعض أهل سردينيا قصصًا عن كونه منشطًا جنسيًا، فيما يرى آخرون أنه يُسهم في حِمية "المناطق الزرقاء" التي يُنسَب إليها كثرة المعمّرين في الجزيرة. لكن الحقيقة هي أن كثيرين منهم يحبونه.. ببساطة.
في عام 1962، حظر التشريع الإيطالي المبيعات التجارية لهذا الجبن بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة. وحَظر قانونٌ أشمل صدر في عام 2002 تجارة "كاسو مارزو" داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإنه لا يزال متاحًا لأهل سردينيا الذين يعرفون أين يبحثون عنه. وبين وضعه السري وحقيقة أن الإنتاج يتم على نطاق ضيق، من الصعب تحديد عدد الرعاة الذين يصنعون "كاسو مارزو"؛ على أن أحد التقديرات يشير إلى أنهم ينتجون أكثر من 90 ألف كيلوجرام سنويًا.