موهينجو دارو..  مدينـة تتحدى النسيان

قبل خمسة آلاف سنة، كانت مدينة "موهينجو دارو" الواقعة على نهر السند، فيما يُعرف اليوم بباكستان، إحدى أكثر المدن القديمة تقدمًا في العالم. واليوم، يتوصل العلماء المشتغلون على أطلالها الهشة إلى اكتشافات جديدة تُبرز ما جعل من تلك المستوطنة مترامية الأطراف أعجوبة حضرية.

تخلو موهينجو دارومن أي آثار تَشِي بعظمة العَمارة القديمة. شيدت حضاراتٌ قديمة أخرى أهرامات وزقورات شاهقة تصل إلى السماء (أبراج هَرَمية كانت شائعة في بلاد ما بين النهرَين قديمًا)، وأقامت المعابد والقصور والمقابر المذهَّبة للقدّيسين والملوك؛ لكن يبدو أن شعب حضارة السند، التي نشأت واندثرت بين عامي 2600 و1900 قبل الميلاد، قد أمضى جزءًا كبيرًا من وقته في بناء المراحيض والمجاري وصيانتها. وتُعد الإسطبة (Stupa) التي تتخذ شكل قبة وتنتصب فوق أطلال العصر البرونزي وكأنها زينةُ كعكةٍ بلون مائل للبني، أكثر معالم "موهينجو دارو" إثارة للإعجاب؛ على أنها بُنيت على الأرجح بعد قرون على ذلك، عندما ازدهرت البوذية في المنطقة. وهناك "الحمّام الكبير"، الذي يُرجَّح أنه أول خزان مياه لأداء طقوس جماعية في العالم؛ لكن وعلى خاصّيته المانعة لتسرب الماء المثيرة للإعجاب، فإنه لم يُصمَّم لإثارة الدهشة والرهبة. فالمواقع ذات الحجم والمكانة المماثلين (أُورْ في العراق الحالي، ومنف -ممفيس- في مصر) تنبض بقوة الماضي المهيبة المخيفة، لكن موهينجو دارو، الواقعة فيما يعرف الآن بإقليم السند الباكستاني، ما زالت محتفظة بدفء التواصل الإنساني بصورة مذهلة. ولتقدير مدى إنجازها وإدراك قيمته، على المرء أن يقترب منها، بل يقترب كثيرًا. ولهذا السبب، جلستُ القرفصاء على الأرض في صبيحة شتوية ذات رياح عاصفة، ورحتُ أحدق في مرحاض قديم، محاولةً استعادة مسار النفايات التي تعود إلى آلاف السنين. لِـ"شفط ماء المرحاض" -وهو وعاء تخزين مطمور حتى حافته في الأرض، مع ثقب في قاعدته- كان على المرء صب الماء فيه، فيتسرب تدريجيًا إلى الأرض، وكان كل فائض يتدفق إلى مصرف الشارع أو حفرة الصرف خارج المنزل. وفي الوقت الذي كان معاصرو هذه الحضارة في مصر وبلاد ما بين النهرين يجلبون الماء في دلاء من نهر النيل أو دجلة أو الفرات، كانت لدى كثير من الأسر في موهينجو دارو آبار خاصة بها. ففي غرفة على مقربة من المرحاض، كانت هناك مصطبة استحمام مائلة قليلًا لتسهيل تصريف المياه. ومن هناك، كانت الفضلات السائلة للشخص الواحد تلتقي مع نفايات الآخرين -ربما كان يعيش في موهينجو دارو ما يصل إلى 100 ألف نسمة- لتتدفق عبر مجاري مغطاة قبل أن تصب في السهول الواقعة خارج المدينة. ظلت البنية التحتية العامة في موهينجو دارو منقطعة النظير على مرّ ألفي سنة تالية، إلى أنْ شرع الرومان في بناء المجاري والقنوات المائية؛ وهو نوع مختلف من المعالم الأثرية يتخذ اتجاهًا أفقيا بدلًا من الاتجاه العمودي، كما قالت لي عالمة الآثار "أوزما ريزفي" لدى "معهد برات" في مدينة نيويورك. فعندما تم التنقيب في موهينجو دارو أول مرة، بدت أرضيات بعض الحمّامات لامعة من كثرة الاستخدام، ومصقولة بفعل احتكاك الأقدام الحافية بها؛ فيما ظهرت على أخرى رواسب حمراء داكنة ناتجة عن العرق أو بقايا الزيوت المستخدمة على الكعوب المتشققة. وقد عُثر مرارًا وتكرارًا على الُّلعب الطينية في المصارف ("يبدو"، كما لاحظ أحد علماء الآثار في ذلك الوقت، "أن العادة الطفولية المتمثلة في أخذ اللعب إلى الحمّام قد استمرت آلاف السنين"). ومن الغريب أن نعرف تفاصيل حميمة عن الحياة تعود إلى أكثر من 4500 سنة (كيف كان الناس يقضون حاجتهم ويستحمون، ويستخدمون المرطّبات ويقومون بتقشير بشرتهم)، لكننا لا نملك أيًّا من المعلومات التي عادة ما نسعى للحصول عليها لفهم المجتمعات التي سبقتنا: مَن أو ماذا كانوا يعبدون أو يخشون، ولماذا نشأت مدنهم أو انهارت أو اندثرت، أو ماذا كانوا يُسمّون أنفسهم؟ فنحن لا نعرف أي شيء من هذه الأمور عن موهينجو دارو. وحتى ذلك اللقب (الذي عادة ما يُترجم خطأ إلى "تل الموتى") هو اسم حديث، وهو الاسم المحلي الذي كانت تُعرف به المنطقة عند إعادة اكتشافها. وتتحدث النصوص المعاصرة لتلك الفترة من سومر، في العراق الحالي، عن شريك تجاري بعيد يُدعى "ميلوها"، كانت سفنه تجلب طيور الطاووس والأحجار الكريمة، وعن "ميلوهان" (لو-سونزيدا باللغة السومرية، أو "رجل البقرة الجاموس الطيبة") الذي تشاجر مع أحد السكان المحليين، وكسر سنه، واضطر لدفع 10 شواقل فضية على سبيل التعويض. لكننا لا نعرف ماذا كان يسمي نفسه.

موهينجو دارو..  مدينـة تتحدى النسيان

قبل خمسة آلاف سنة، كانت مدينة "موهينجو دارو" الواقعة على نهر السند، فيما يُعرف اليوم بباكستان، إحدى أكثر المدن القديمة تقدمًا في العالم. واليوم، يتوصل العلماء المشتغلون على أطلالها الهشة إلى اكتشافات جديدة تُبرز ما جعل من تلك المستوطنة مترامية الأطراف أعجوبة حضرية.

تخلو موهينجو دارومن أي آثار تَشِي بعظمة العَمارة القديمة. شيدت حضاراتٌ قديمة أخرى أهرامات وزقورات شاهقة تصل إلى السماء (أبراج هَرَمية كانت شائعة في بلاد ما بين النهرَين قديمًا)، وأقامت المعابد والقصور والمقابر المذهَّبة للقدّيسين والملوك؛ لكن يبدو أن شعب حضارة السند، التي نشأت واندثرت بين عامي 2600 و1900 قبل الميلاد، قد أمضى جزءًا كبيرًا من وقته في بناء المراحيض والمجاري وصيانتها. وتُعد الإسطبة (Stupa) التي تتخذ شكل قبة وتنتصب فوق أطلال العصر البرونزي وكأنها زينةُ كعكةٍ بلون مائل للبني، أكثر معالم "موهينجو دارو" إثارة للإعجاب؛ على أنها بُنيت على الأرجح بعد قرون على ذلك، عندما ازدهرت البوذية في المنطقة. وهناك "الحمّام الكبير"، الذي يُرجَّح أنه أول خزان مياه لأداء طقوس جماعية في العالم؛ لكن وعلى خاصّيته المانعة لتسرب الماء المثيرة للإعجاب، فإنه لم يُصمَّم لإثارة الدهشة والرهبة. فالمواقع ذات الحجم والمكانة المماثلين (أُورْ في العراق الحالي، ومنف -ممفيس- في مصر) تنبض بقوة الماضي المهيبة المخيفة، لكن موهينجو دارو، الواقعة فيما يعرف الآن بإقليم السند الباكستاني، ما زالت محتفظة بدفء التواصل الإنساني بصورة مذهلة. ولتقدير مدى إنجازها وإدراك قيمته، على المرء أن يقترب منها، بل يقترب كثيرًا. ولهذا السبب، جلستُ القرفصاء على الأرض في صبيحة شتوية ذات رياح عاصفة، ورحتُ أحدق في مرحاض قديم، محاولةً استعادة مسار النفايات التي تعود إلى آلاف السنين. لِـ"شفط ماء المرحاض" -وهو وعاء تخزين مطمور حتى حافته في الأرض، مع ثقب في قاعدته- كان على المرء صب الماء فيه، فيتسرب تدريجيًا إلى الأرض، وكان كل فائض يتدفق إلى مصرف الشارع أو حفرة الصرف خارج المنزل. وفي الوقت الذي كان معاصرو هذه الحضارة في مصر وبلاد ما بين النهرين يجلبون الماء في دلاء من نهر النيل أو دجلة أو الفرات، كانت لدى كثير من الأسر في موهينجو دارو آبار خاصة بها. ففي غرفة على مقربة من المرحاض، كانت هناك مصطبة استحمام مائلة قليلًا لتسهيل تصريف المياه. ومن هناك، كانت الفضلات السائلة للشخص الواحد تلتقي مع نفايات الآخرين -ربما كان يعيش في موهينجو دارو ما يصل إلى 100 ألف نسمة- لتتدفق عبر مجاري مغطاة قبل أن تصب في السهول الواقعة خارج المدينة. ظلت البنية التحتية العامة في موهينجو دارو منقطعة النظير على مرّ ألفي سنة تالية، إلى أنْ شرع الرومان في بناء المجاري والقنوات المائية؛ وهو نوع مختلف من المعالم الأثرية يتخذ اتجاهًا أفقيا بدلًا من الاتجاه العمودي، كما قالت لي عالمة الآثار "أوزما ريزفي" لدى "معهد برات" في مدينة نيويورك. فعندما تم التنقيب في موهينجو دارو أول مرة، بدت أرضيات بعض الحمّامات لامعة من كثرة الاستخدام، ومصقولة بفعل احتكاك الأقدام الحافية بها؛ فيما ظهرت على أخرى رواسب حمراء داكنة ناتجة عن العرق أو بقايا الزيوت المستخدمة على الكعوب المتشققة. وقد عُثر مرارًا وتكرارًا على الُّلعب الطينية في المصارف ("يبدو"، كما لاحظ أحد علماء الآثار في ذلك الوقت، "أن العادة الطفولية المتمثلة في أخذ اللعب إلى الحمّام قد استمرت آلاف السنين"). ومن الغريب أن نعرف تفاصيل حميمة عن الحياة تعود إلى أكثر من 4500 سنة (كيف كان الناس يقضون حاجتهم ويستحمون، ويستخدمون المرطّبات ويقومون بتقشير بشرتهم)، لكننا لا نملك أيًّا من المعلومات التي عادة ما نسعى للحصول عليها لفهم المجتمعات التي سبقتنا: مَن أو ماذا كانوا يعبدون أو يخشون، ولماذا نشأت مدنهم أو انهارت أو اندثرت، أو ماذا كانوا يُسمّون أنفسهم؟ فنحن لا نعرف أي شيء من هذه الأمور عن موهينجو دارو. وحتى ذلك اللقب (الذي عادة ما يُترجم خطأ إلى "تل الموتى") هو اسم حديث، وهو الاسم المحلي الذي كانت تُعرف به المنطقة عند إعادة اكتشافها. وتتحدث النصوص المعاصرة لتلك الفترة من سومر، في العراق الحالي، عن شريك تجاري بعيد يُدعى "ميلوها"، كانت سفنه تجلب طيور الطاووس والأحجار الكريمة، وعن "ميلوهان" (لو-سونزيدا باللغة السومرية، أو "رجل البقرة الجاموس الطيبة") الذي تشاجر مع أحد السكان المحليين، وكسر سنه، واضطر لدفع 10 شواقل فضية على سبيل التعويض. لكننا لا نعرف ماذا كان يسمي نفسه.