علماءٌ ينفذون إلى عقول النحل الخفية
في وادٍ جبلي بشمال ولاية نيو مكسيكو، كان البشر والنحل معًا يستعدون لحلول فصل الشتاء. لدى منزل "أديلينا لوسيرو" المشيَّد بالطوب الطيني والكائن بوسط قرية "تاوس بويبلو"، أحد مجتمعات الأميركيين الأصليين، كانت كومة ضخمة من الحطب تنتصب إلى جانب كومتين من خلايا النحل المستطيلة المغطاة بالعِكبر الأحمر، وهو خليط شمعي صمغي يستخدمه النحل لإحكام سد مساكنه استعدادًا لأشهر من البرد ونقص الغذاء. ارتدت "ميلاني كيربي"، مُربّية نحل من السكان الأصليين ومستكشفة لدى ناشيونال جيوغرافيك، حجابًا شبكيًا خفيفًا وفتحت إحدى خلايا لوسيرو، وسحبت الإطارات المعلقة وفحصتها لتحديد مكان ملكة المستعمَرة التي كان حجمها ضعف حجم الشغالات. ثم قالت تحت أنظار لوسيرو: "هذه هي أمنا المُربّية. لقد استطاعت أن تصمد مواسم عديدة". ومن المؤسف أن هذا الأمر بات نادر الحدوث في أيامنا هذه. فقد صار النحل في جميع أنحاء العالم ينفق بأعداد هائلة، إذْ يعاني سلسلة من الويلات: الطفيليات ومسببات الأمراض والمبيدات الحشرية وتقلص الموائل. وقد وصلتنا أنباء هذا التراجع بالأساس من نحل العسل (Apis mellifera) والذي ترتبط حياته ارتباطًا وثيقًا بالزراعة لدى البشر لأن مُربِّي النحل ينقلون ملايين الخلايا لتلقيح كل شيء، من اللوز إلى التفاح، بالإضافة إلى عشرات الفواكه والخضراوات الأخرى. فنحل العسل، إلى جانب أكثر من 20 ألف نوع آخر، يساعد في تلقيح نحو ثلث إمدادات الغذاء في الأرض ويكفل تكاثر أكثر من ثلاثة أرباع النباتات المزهرة. وتشير الدراسات الاستقصائية بشأن جماعات النحل، وإنْ كانت معرفتنا أقل بالنحل البري، أن أعداد هذه الحشرات في جميع أنحاء العالم آخذة في الانخفاض، بدءًا من الأنواع المنفردة كالنحل قارض الأوراق (Megachilid genera) الذي يعشش بمفرده ويلقح عددًا قليلًا من النباتات المفضلة، وصولًا إلى الأنواع الاجتماعية مثل النحل الطنان البري الذي يعيش في مستعمرات ويجمع الرحيق وحبوب اللقاح من جل أنواع الأزهار التي يصادفها.
ففي أبريل 2025، أفاد مُربّو النحل الأميركيون أن 55 بالمئة من مستعمراته قد هلكت خلال العام السابق؛ وهي أسوأ خسائرهم على الإطلاق. لكن نحل العسل الذي تربيه كيربي لا يزال يزدهر وينمو. فقد أمضت الأعوام العشرين الماضية في العمل بمعية شريكها في الزراعة "مارك سبيتزيغ" لتربية مستعمرات من النحل اختارا لها اسم (LongeviBEES)، وهي مستعمرات تتأقلم على نحو جيد مع الصحراء المرتفعة ومنطقة جبال "روكي" في ولاية نيو مكسيكو. ولا يعالج كلٌّ من كيربي وسبيتزيغ خلايا النحل الخاصة بهما بالمواد الكيميائية المصنعة التي يستخدمها معظم مربّي النحل التجاريين لصد سوسة "الفاروا" المدمرة، وهي حشرة طفيلية دخيلة غازية تقتات على النحل وتضعف مستعمراته وتنقل إليه الفيروسات، ويُعتقد أنها السبب الرئيس وراء حالات النفوق الأخيرة؛ بل ينتظران لتربية ملكات النحل حتى يبلغ عمرهن عامين على الأقل، وهي مدة كافية للتثبت من أن النحل يتمتع بالقوة والدهاء الكافيين للبقاء على قيد الحياة بمفرده.
علماءٌ ينفذون إلى عقول النحل الخفية
في وادٍ جبلي بشمال ولاية نيو مكسيكو، كان البشر والنحل معًا يستعدون لحلول فصل الشتاء. لدى منزل "أديلينا لوسيرو" المشيَّد بالطوب الطيني والكائن بوسط قرية "تاوس بويبلو"، أحد مجتمعات الأميركيين الأصليين، كانت كومة ضخمة من الحطب تنتصب إلى جانب كومتين من خلايا النحل المستطيلة المغطاة بالعِكبر الأحمر، وهو خليط شمعي صمغي يستخدمه النحل لإحكام سد مساكنه استعدادًا لأشهر من البرد ونقص الغذاء. ارتدت "ميلاني كيربي"، مُربّية نحل من السكان الأصليين ومستكشفة لدى ناشيونال جيوغرافيك، حجابًا شبكيًا خفيفًا وفتحت إحدى خلايا لوسيرو، وسحبت الإطارات المعلقة وفحصتها لتحديد مكان ملكة المستعمَرة التي كان حجمها ضعف حجم الشغالات. ثم قالت تحت أنظار لوسيرو: "هذه هي أمنا المُربّية. لقد استطاعت أن تصمد مواسم عديدة". ومن المؤسف أن هذا الأمر بات نادر الحدوث في أيامنا هذه. فقد صار النحل في جميع أنحاء العالم ينفق بأعداد هائلة، إذْ يعاني سلسلة من الويلات: الطفيليات ومسببات الأمراض والمبيدات الحشرية وتقلص الموائل. وقد وصلتنا أنباء هذا التراجع بالأساس من نحل العسل (Apis mellifera) والذي ترتبط حياته ارتباطًا وثيقًا بالزراعة لدى البشر لأن مُربِّي النحل ينقلون ملايين الخلايا لتلقيح كل شيء، من اللوز إلى التفاح، بالإضافة إلى عشرات الفواكه والخضراوات الأخرى. فنحل العسل، إلى جانب أكثر من 20 ألف نوع آخر، يساعد في تلقيح نحو ثلث إمدادات الغذاء في الأرض ويكفل تكاثر أكثر من ثلاثة أرباع النباتات المزهرة. وتشير الدراسات الاستقصائية بشأن جماعات النحل، وإنْ كانت معرفتنا أقل بالنحل البري، أن أعداد هذه الحشرات في جميع أنحاء العالم آخذة في الانخفاض، بدءًا من الأنواع المنفردة كالنحل قارض الأوراق (Megachilid genera) الذي يعشش بمفرده ويلقح عددًا قليلًا من النباتات المفضلة، وصولًا إلى الأنواع الاجتماعية مثل النحل الطنان البري الذي يعيش في مستعمرات ويجمع الرحيق وحبوب اللقاح من جل أنواع الأزهار التي يصادفها.
ففي أبريل 2025، أفاد مُربّو النحل الأميركيون أن 55 بالمئة من مستعمراته قد هلكت خلال العام السابق؛ وهي أسوأ خسائرهم على الإطلاق. لكن نحل العسل الذي تربيه كيربي لا يزال يزدهر وينمو. فقد أمضت الأعوام العشرين الماضية في العمل بمعية شريكها في الزراعة "مارك سبيتزيغ" لتربية مستعمرات من النحل اختارا لها اسم (LongeviBEES)، وهي مستعمرات تتأقلم على نحو جيد مع الصحراء المرتفعة ومنطقة جبال "روكي" في ولاية نيو مكسيكو. ولا يعالج كلٌّ من كيربي وسبيتزيغ خلايا النحل الخاصة بهما بالمواد الكيميائية المصنعة التي يستخدمها معظم مربّي النحل التجاريين لصد سوسة "الفاروا" المدمرة، وهي حشرة طفيلية دخيلة غازية تقتات على النحل وتضعف مستعمراته وتنقل إليه الفيروسات، ويُعتقد أنها السبب الرئيس وراء حالات النفوق الأخيرة؛ بل ينتظران لتربية ملكات النحل حتى يبلغ عمرهن عامين على الأقل، وهي مدة كافية للتثبت من أن النحل يتمتع بالقوة والدهاء الكافيين للبقاء على قيد الحياة بمفرده.