هل تستطيع الكنيسة التي ألهمت نوتردام أن تستعيد مجدها؟
لا تجذب كاتدرائية "سان دوني"، الواقعة في شمال باريس، سوى قليل من الزوار، قياسًا على مكانتها التاريخية البارزة. فهي ليست مجرد كنيسة فحسب، أو المثوى الأخير لعشرات الملوك والملكات الفرنسيين -حتى غدت تُعرف باسم "المقبرة الملكية العتيقة لفرنسا"- بل إنها أيضًا الحضن الأول لفن العَمارة القوطية. فثمة ظهرت للمرة الأولى في القرن الثاني عشر للميلاد ابتكارات معمارية مذهلة، مثل الأقواس المُدبَّبة، والأقبية المضلعة الشاهقة، والضوء المتدفق الذي ينفذ عبر النوافذ الزجاجية الطويلة المُلونة والمُعشَّقة. وسرعان ما انتشرت هذه السمات المعمارية في كنائس فرنسا وأوروبا كلّها، وكان من أبرز من اقتدى بها كاتدرائية "نوتردام" الشهيرة، الواقعة على بُعد تسعة كيلومترات جنوبًا. وما تزال تلك الروائع في "سان دوني" قرة عين للزائرين حتى اليوم. غير أن أبرز معالمها القوطية لم يعد قائمًا: وهو برج الجرس في الركن الأمامي الشمالي، الذي يعلوه برج حجري مُدبَّب بلغ ارتفاعه ذات زمن مضى نحو 91 مترًا. ويصفه المؤرخ البارز "جان ميشيل لينيو"، صاحب مؤلفات عديدة عن سان دوني، بقوله: "إنّه نُصب بلا فروة رأس". وبقيت هذه الكنيسة وبلدة سان دوني، منذ نحو 180 عامًا، محرومتين من ذلك البرج المدبَّب الشهير. فبعد أن تضرر بفعل العواصف، تَقرر تفكيكه في عام 1847 على افتراض أنه سيُعاد تشييده لاحقًا بصورة أفضل. غير أن ذلك الوعد لم يتحقق قَطُّ. إذ ارتأت هيئة الآثار التاريخية التابعة للحكومة الفرنسية أن أولوياتها المالية أكثر إلحاحًا في مجالات أخرى، على كل المناشدات المتكررة من رؤساء بلدية سان دوني للمساعدة في إعادة بناء البرج المفقود. ويصف "جاك مولان"، المعماري الخبير بالآثار التاريخية، هذا الأمر بقوله: "لقد ظل فقدان البرج حاضرًا في ذاكرة المدينة، وكأنه عضو مبتور".الآن، وبفضل الخطة التي وضعها مولان، بدأ جرح المدينة يلتئم. فمن سقيفة خلف الكاتدرائية، يتردد صدى المطرقة وهي تضرب الإزميل، والإزميل وهو ينحت الحجر على الجدران العتيقة. وفي الداخل، ينحت الحِرَفيون لَبِنات البناء يدويًا. وفي أعلى الواجهة الأمامية، فوق قاعدة البرج الذي اندثر، يضع البناؤون اللبنات الأولى لِمَا يُفترض أن يكون نسخة مطابقة للأصل قدر المستطاع. وفي أفق عام 2030 أو نحو ذلك، يُنتظر أن تستعيد كاتدرائية سان دوني بُرجها المُدبب من جديد. وسيطلُ البرج الجديد على مشهد تغير كثيرًا بمرور الزمن. فمدينة سان دوني، التي كانت يومًا قرية صغيرة يتوسطها دير يحمل اسمها، غدت اليوم ضاحيةً عمالية للطبقة الوسطى تحتضن عددًا كبيرًا من المهاجرين، وغالبيتهم يتحدرون من دول مسلمة. ومع ذلك، ما تزال الكاتدرائية القلب النابض للمدينة؛ فهي مقصدٌ رئيس للزوار، تجمع بين كونها رافعة اقتصادية محتملة وملاذًا روحيًا في آن واحد. وبسبب غياب التمويل من الحكومة الوطنية الفرنسية المالكة للمبنى، اعتمد عُمدة سان دوني الحالي، "ماثيو هانوتين"، بالأساس على دعم الحكومة الإقليمية لجمع ميزانية سريعة تبلغ 38 مليون يورو مُخصصة لإعادة بناء البرج وإنشاء مركز للزوار. وفي ذلك يقول المؤرخ المعماري "ماثيو لورس": "نحن ننجز ما كان ينبغي إنجازه منذ زمن بعيد.. وإنْ جاء ذلك متأخرًا بمئة وثمانين عامًا".
هل تستطيع الكنيسة التي ألهمت نوتردام أن تستعيد مجدها؟
لا تجذب كاتدرائية "سان دوني"، الواقعة في شمال باريس، سوى قليل من الزوار، قياسًا على مكانتها التاريخية البارزة. فهي ليست مجرد كنيسة فحسب، أو المثوى الأخير لعشرات الملوك والملكات الفرنسيين -حتى غدت تُعرف باسم "المقبرة الملكية العتيقة لفرنسا"- بل إنها أيضًا الحضن الأول لفن العَمارة القوطية. فثمة ظهرت للمرة الأولى في القرن الثاني عشر للميلاد ابتكارات معمارية مذهلة، مثل الأقواس المُدبَّبة، والأقبية المضلعة الشاهقة، والضوء المتدفق الذي ينفذ عبر النوافذ الزجاجية الطويلة المُلونة والمُعشَّقة. وسرعان ما انتشرت هذه السمات المعمارية في كنائس فرنسا وأوروبا كلّها، وكان من أبرز من اقتدى بها كاتدرائية "نوتردام" الشهيرة، الواقعة على بُعد تسعة كيلومترات جنوبًا. وما تزال تلك الروائع في "سان دوني" قرة عين للزائرين حتى اليوم. غير أن أبرز معالمها القوطية لم يعد قائمًا: وهو برج الجرس في الركن الأمامي الشمالي، الذي يعلوه برج حجري مُدبَّب بلغ ارتفاعه ذات زمن مضى نحو 91 مترًا. ويصفه المؤرخ البارز "جان ميشيل لينيو"، صاحب مؤلفات عديدة عن سان دوني، بقوله: "إنّه نُصب بلا فروة رأس". وبقيت هذه الكنيسة وبلدة سان دوني، منذ نحو 180 عامًا، محرومتين من ذلك البرج المدبَّب الشهير. فبعد أن تضرر بفعل العواصف، تَقرر تفكيكه في عام 1847 على افتراض أنه سيُعاد تشييده لاحقًا بصورة أفضل. غير أن ذلك الوعد لم يتحقق قَطُّ. إذ ارتأت هيئة الآثار التاريخية التابعة للحكومة الفرنسية أن أولوياتها المالية أكثر إلحاحًا في مجالات أخرى، على كل المناشدات المتكررة من رؤساء بلدية سان دوني للمساعدة في إعادة بناء البرج المفقود. ويصف "جاك مولان"، المعماري الخبير بالآثار التاريخية، هذا الأمر بقوله: "لقد ظل فقدان البرج حاضرًا في ذاكرة المدينة، وكأنه عضو مبتور".الآن، وبفضل الخطة التي وضعها مولان، بدأ جرح المدينة يلتئم. فمن سقيفة خلف الكاتدرائية، يتردد صدى المطرقة وهي تضرب الإزميل، والإزميل وهو ينحت الحجر على الجدران العتيقة. وفي الداخل، ينحت الحِرَفيون لَبِنات البناء يدويًا. وفي أعلى الواجهة الأمامية، فوق قاعدة البرج الذي اندثر، يضع البناؤون اللبنات الأولى لِمَا يُفترض أن يكون نسخة مطابقة للأصل قدر المستطاع. وفي أفق عام 2030 أو نحو ذلك، يُنتظر أن تستعيد كاتدرائية سان دوني بُرجها المُدبب من جديد. وسيطلُ البرج الجديد على مشهد تغير كثيرًا بمرور الزمن. فمدينة سان دوني، التي كانت يومًا قرية صغيرة يتوسطها دير يحمل اسمها، غدت اليوم ضاحيةً عمالية للطبقة الوسطى تحتضن عددًا كبيرًا من المهاجرين، وغالبيتهم يتحدرون من دول مسلمة. ومع ذلك، ما تزال الكاتدرائية القلب النابض للمدينة؛ فهي مقصدٌ رئيس للزوار، تجمع بين كونها رافعة اقتصادية محتملة وملاذًا روحيًا في آن واحد. وبسبب غياب التمويل من الحكومة الوطنية الفرنسية المالكة للمبنى، اعتمد عُمدة سان دوني الحالي، "ماثيو هانوتين"، بالأساس على دعم الحكومة الإقليمية لجمع ميزانية سريعة تبلغ 38 مليون يورو مُخصصة لإعادة بناء البرج وإنشاء مركز للزوار. وفي ذلك يقول المؤرخ المعماري "ماثيو لورس": "نحن ننجز ما كان ينبغي إنجازه منذ زمن بعيد.. وإنْ جاء ذلك متأخرًا بمئة وثمانين عامًا".