سوق المباركية، قلب الكويت النابض

بدأَتْ بدكان صغير في قلب المدينة، لتتحول إلى أيقونة تنبض بالحياة والألوان وتُجسد ذاكرة شعب وأصالته.

ما إن يَعبر الزائر عتبة الشارع الحديث إلى سوق المباركية، حتى يجد نفسه في فضاء تتداخل فيه الأزمنة؛ إذ يتشكَّل المكان هنا عبر مشاهدَ متتابعة يكشف بعضها عن بعض على مهلٍ، لتكوِّن سرديةً ممتدة عن تاريخ طويل من الحركة والمعاش اليوميِّ. زمنٌ لا يُقاس بحدود الماضي والحاضر، ولكنَّه يَنسج منهما معًا قوامًا واحدًا، تظهر فيه آثار الأيام على المكان وأهله، كما لو أنَّ السوق تحفظ الزمن في تفاصيله ثم تُجيزُ له المُضي. يختبر الزائر منذ اللحظة الأولى لدخوله السوق مجموعةً من المشاهدَ تشغَل الحواس بالكامل؛ نداءاتُ الباعة، ووقع الأقدام، واحتكاك العربات الصغيرة بالأرضيات، وحديثٌ عابرٌ لا يُقصد به أحد بعينه. وعلى النحو نفسه تختلط الروائح بدورها في طبقات يصعب فصلها؛ التوابل والقهوة والشواء والخشب القديم، فيما يتسلَّل الضوءُ مقبلًا من فتحات غير منتظمة في السقف المعدني، لكنه لا يضيء المكان، بل يجزِّئه، فتتشكَّل ظلالٌ متحركة تملأ الممرَّات، وتواكب حركة الأجساد. هذا الاضطراب الظاهري مقصودٌ في ذاته، فهو يُظهِر أن السوق صُمِّمَت وفق منطقٍ يعوِّل على الداخل أكثر منه على الخارج. ولا يمكن فهم طبيعة "المباركية" بمعزلٍ عن لحظة تشكُّل مدينة الكويت نفسها؛ فلم تكن هذه الأخيرة قبل النفط مدينةً زراعيةً وإنما قامت مستوطنةً للتجارة على حافة البَر؛ حيث يلتقي البحرُ الصحراءَ. ذلك الموضع كان في جوهره مركزَ تلاقٍ لمسارات بعيدة: طرق بحرية تشقُّ المياهَ من سواحل الهند وشرق إفريقيا، ومسالك برية تمضي شمالًا وشرقًا نحو نجد وبلاد الرافدين. ومن هذا الالتقاء نشأ اقتصادٌ قوامه العبور والتبادل واقتضت الحال أن تكون هذه السوق قلب المدينة النابض، ومقياس حركتها، ومرآةً دقيقةً تعكس تحوُّلاتها. وقد قامت المباركية، منذ نشأتها الأولى، على معنى الضرورة قبل أيِّ موجِباتٍ أخرى؛ إذ كانت السوق استجابةً مباشرة لحاجات أهل المنطقة في زمنٍ اتسعت فيه حركة التبادل، وتكاثفت سُبُل التجارة. ومع تدفُّق البضائع والناس، لم تتخذ المباركية شكلًا مخطَّطًا له سلفًا، فقد أخذت تتسع على سجيَّتها، وتنمو حيث تدعو الحاجة، وتنحسر حيث تفرض الحال ذلك. وراحت دكاكينها تتلاصق في بعض الزوايا، فيما ضاقت الممرات حينًا واتَّسعت حينًا آخر، وانفردت أسواق بوظائف ثم تشعَّبت إلى غيرها؛ وعلى هذا النحو تشكَّلت المباركية منظومةً متداخلة من الأسواق، وهو طابع منحها قدرة استثنائية على التكيُّف والاستمرار حتى اليوم.
وقبل ظهور النفط الذي بدَّل موازين الاقتصاد، قامت الحياة المحلية على تدبير الضروري، برغم اتساع شبكة العلاقات التجارية في ذلك الوقت. هذا التوتر بين شحِّ الموارد وسعة التبادل أملَى تنظيمًا دقيقًا للمكان؛ فاستُنفدَت المساحة إلى أقصى حدودها، وغابت عنها مظاهر الفائض والترف. فعند تأمُّل المكان انطلاقًا من هذه الرؤية، يتبيَّن أن ضيق الممرات لم يكن قصورًا في البناء، بل حيلةً واعية لضبط الحركة، وتكثيف التفاعل، وتخفيف وطأة المناخ القاسي. وفي هذه الفضاءات المتقاربة، لم يكن البيع نشاطًا معزولًا، ولا التفاوض فعلًا منفصلًا عن الحديث والمعرفة؛ إذ تداخلت الممارسات اليومية لتصوغ هوية السوق، فغدت المباركية مدرسةً في ذاتها، تنتقل فيها الخبرة مشافهةً، ويتعلَّم فيها الصغار من الكبار عبر الممارسة والعيش اليومي.

سوق المباركية، قلب الكويت النابض

بدأَتْ بدكان صغير في قلب المدينة، لتتحول إلى أيقونة تنبض بالحياة والألوان وتُجسد ذاكرة شعب وأصالته.

ما إن يَعبر الزائر عتبة الشارع الحديث إلى سوق المباركية، حتى يجد نفسه في فضاء تتداخل فيه الأزمنة؛ إذ يتشكَّل المكان هنا عبر مشاهدَ متتابعة يكشف بعضها عن بعض على مهلٍ، لتكوِّن سرديةً ممتدة عن تاريخ طويل من الحركة والمعاش اليوميِّ. زمنٌ لا يُقاس بحدود الماضي والحاضر، ولكنَّه يَنسج منهما معًا قوامًا واحدًا، تظهر فيه آثار الأيام على المكان وأهله، كما لو أنَّ السوق تحفظ الزمن في تفاصيله ثم تُجيزُ له المُضي. يختبر الزائر منذ اللحظة الأولى لدخوله السوق مجموعةً من المشاهدَ تشغَل الحواس بالكامل؛ نداءاتُ الباعة، ووقع الأقدام، واحتكاك العربات الصغيرة بالأرضيات، وحديثٌ عابرٌ لا يُقصد به أحد بعينه. وعلى النحو نفسه تختلط الروائح بدورها في طبقات يصعب فصلها؛ التوابل والقهوة والشواء والخشب القديم، فيما يتسلَّل الضوءُ مقبلًا من فتحات غير منتظمة في السقف المعدني، لكنه لا يضيء المكان، بل يجزِّئه، فتتشكَّل ظلالٌ متحركة تملأ الممرَّات، وتواكب حركة الأجساد. هذا الاضطراب الظاهري مقصودٌ في ذاته، فهو يُظهِر أن السوق صُمِّمَت وفق منطقٍ يعوِّل على الداخل أكثر منه على الخارج. ولا يمكن فهم طبيعة "المباركية" بمعزلٍ عن لحظة تشكُّل مدينة الكويت نفسها؛ فلم تكن هذه الأخيرة قبل النفط مدينةً زراعيةً وإنما قامت مستوطنةً للتجارة على حافة البَر؛ حيث يلتقي البحرُ الصحراءَ. ذلك الموضع كان في جوهره مركزَ تلاقٍ لمسارات بعيدة: طرق بحرية تشقُّ المياهَ من سواحل الهند وشرق إفريقيا، ومسالك برية تمضي شمالًا وشرقًا نحو نجد وبلاد الرافدين. ومن هذا الالتقاء نشأ اقتصادٌ قوامه العبور والتبادل واقتضت الحال أن تكون هذه السوق قلب المدينة النابض، ومقياس حركتها، ومرآةً دقيقةً تعكس تحوُّلاتها. وقد قامت المباركية، منذ نشأتها الأولى، على معنى الضرورة قبل أيِّ موجِباتٍ أخرى؛ إذ كانت السوق استجابةً مباشرة لحاجات أهل المنطقة في زمنٍ اتسعت فيه حركة التبادل، وتكاثفت سُبُل التجارة. ومع تدفُّق البضائع والناس، لم تتخذ المباركية شكلًا مخطَّطًا له سلفًا، فقد أخذت تتسع على سجيَّتها، وتنمو حيث تدعو الحاجة، وتنحسر حيث تفرض الحال ذلك. وراحت دكاكينها تتلاصق في بعض الزوايا، فيما ضاقت الممرات حينًا واتَّسعت حينًا آخر، وانفردت أسواق بوظائف ثم تشعَّبت إلى غيرها؛ وعلى هذا النحو تشكَّلت المباركية منظومةً متداخلة من الأسواق، وهو طابع منحها قدرة استثنائية على التكيُّف والاستمرار حتى اليوم.
وقبل ظهور النفط الذي بدَّل موازين الاقتصاد، قامت الحياة المحلية على تدبير الضروري، برغم اتساع شبكة العلاقات التجارية في ذلك الوقت. هذا التوتر بين شحِّ الموارد وسعة التبادل أملَى تنظيمًا دقيقًا للمكان؛ فاستُنفدَت المساحة إلى أقصى حدودها، وغابت عنها مظاهر الفائض والترف. فعند تأمُّل المكان انطلاقًا من هذه الرؤية، يتبيَّن أن ضيق الممرات لم يكن قصورًا في البناء، بل حيلةً واعية لضبط الحركة، وتكثيف التفاعل، وتخفيف وطأة المناخ القاسي. وفي هذه الفضاءات المتقاربة، لم يكن البيع نشاطًا معزولًا، ولا التفاوض فعلًا منفصلًا عن الحديث والمعرفة؛ إذ تداخلت الممارسات اليومية لتصوغ هوية السوق، فغدت المباركية مدرسةً في ذاتها، تنتقل فيها الخبرة مشافهةً، ويتعلَّم فيها الصغار من الكبار عبر الممارسة والعيش اليومي.