فــــك رمـــــوز الكتــابـــات المفـقودة مـن الـعالــم القــديـــم
كانت الغرفة حيث كنا موصدة الباب. كانت بلا نوافذ ويضيئها مصباح فلوري من الأعلى. وفي الردهة الخارجية -التي تقع على عمق طابقين تحت مدينة لندن- كان حراسٌ يرتدون بذلات داكنة يذرعون المكان بصمت، مما أضفى على المشهد جوا من الدراما السينمائية. وهذا المكان هو مركز صناديق الأمانات بوسط المدينة حيث يحتفظ جامع التحف الفنية البريطاني من أصل إيراني "كامبيز محبوبيان"، صاحب إحدى أكبر مجموعات تحف الشرق الأدنى الفنية القديمة، ببعض من أثمن قطعه داخل غرفة منيعة.
جلس محبوبيان قبالتي على طاولة صغيرة، ومد يده بحذر شديد إلى حقيبة تسوق بلاستيكية خضراء تحمل علامة سلسلة متاجر كبرى بريطانية. ثم أخرج منها كأسا فضية مغطاة بأفاريز نقشت منذ زمن بعيد. وعندما وضع هذا الوعاء الذي كان بحجم غلاية الشاي على الطاولة، ظهرت لي صورة رجل يرتدي خوذة، وله صدر عريض ولحية طويلة مجدولة، وكانت ذراعاه ممدودتين في إشارة تدل على الولاء والإخلاص. أشار لي محبوبيان لألقي نظرة من كثب. سألته: "هل يمكنني حمله؟". فأجاب: "بالطبع".
كانت تحيط بالكأس صفوف مُرتَّبة من الرموز المنقوشة في شكل نجوم، ومثلثات ذات زوائد تشبه الهوائيات، وقطع ماس مخططة، وصواعق. وعندما عرّضت الكأس للضوء، لمحتُ ارتعاشًا خفيفًا في يدي؛ فلقد كان معدنها ناعمًا ومرنًا إلى درجة أنني خشيت أن ينكسر بين أصابعي. ويعود تاريخ هذه الكأس إلى أوائل العصر البرونزي، مما يعني أن الحِرَفي الذي نقش هذه الرموز بدقة على الفضة قام بذلك قبل نحو 4300 عام. أمّا ما تعنيه هذه الرموز فقد ظل لغزًا محيرًا لعلماء الآثار والمؤرخين.
تنتمي تلك الأحرف إلى نظام كتابة يسمى الكتابة "العيلامية الخطية" التي بدأ استخدامها بين عامي 2700 و2300 قبل الميلاد في مملكة قوية كانت تسمى عيلام، فيما يعرف الآن بجنوب غرب إيران. واستمر نظام الكتابة العيلامية عدة مئات من السنين قبل أن يحل محله نظام كتابة آخر وينمحي من التاريخ. وقبل ما يزيد قليلًا على قرن من الزمان، اكتشف علماء الآثار الفرنسيون الذين كانوا ينقبون في "سوسة"، عاصمة عيلام، 19 نقشًا مكتوبًا على الحجر والطين. وكان من الواضح أن السلسلات الطويلة من الرموز تعني شيئا ما. ولكن ما هو؟ لم يستطع علماء اللغة الذين درسوا هذه الرموز في محاولة لفهم الكتابة العيلامية الخطية أن يحرزوا تقدما يُذكر طوال عقود، وذلك لسبب رئيس واحد: كان مجموع المواد المكتوبة لا يزيد على نحو 40 نقشًا. ويعتمد الباحثون الذين يعملون على فك رموز اللغات القديمة بصورة عامة على وفرة الرموز لرصد حالات التكرار والأنماط ومجموعات الرموز، وهي البيانات الأولية التي توفر مؤشرات دالة على القواعد النحوية وبناء الجمل والأسماء والأماكن. وكان "فرنسوا ديسيت" أحد هؤلاء العلماء الذين انخرطوا في مَهمة تبدو مستحيلة لفهم الكتابة العيلامية الخطية، وهو عالم آثار فرنسي تحول فضوله إلى مسار استمر 20 عاما لفك رموز نظام هذه الكتابة. وقد أثارت مزاعمه الأخيرة بشأن نجاحه، والتي تصدرت عناوين الصحف، اهتمام الجمهور وشكوك المتشككين. وأكدت أيضا فكرةً مفادها أننا قد نكون بلغنا لحظة حاسمة في دراسة هذه الكتابات القديمة. ولم تُفك إلى اليوم رموز نحو اثني عشر شكلًا من أشكال الكتابة. وقد بدأ جيل جديد من العلماء في الكشف عن آخر أسرار القدماء، مستعينين في ذلك في غالب الأحيان بالتقنية الحديثة حيث استخدم هؤلاء المفككون في السنوات الأخيرة الذكاء الاصطناعي لتحديد المواقع الأثرية، واستعادة النصوص غير المقروءة، وتحليل الأنماط اللغوية للاستدلال على القواعد النحوية والمفردات. ولكن على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد سرّع من ترجمة اللغات والكتابات المعروفة لعدد قليل من العلماء، فإن هذه التقنية لم تثبت بعد القدرة الإبداعية اللازمة لفك رموز النصوص المجهولة حتى الآن.
فــــك رمـــــوز الكتــابـــات المفـقودة مـن الـعالــم القــديـــم
كانت الغرفة حيث كنا موصدة الباب. كانت بلا نوافذ ويضيئها مصباح فلوري من الأعلى. وفي الردهة الخارجية -التي تقع على عمق طابقين تحت مدينة لندن- كان حراسٌ يرتدون بذلات داكنة يذرعون المكان بصمت، مما أضفى على المشهد جوا من الدراما السينمائية. وهذا المكان هو مركز صناديق الأمانات بوسط المدينة حيث يحتفظ جامع التحف الفنية البريطاني من أصل إيراني "كامبيز محبوبيان"، صاحب إحدى أكبر مجموعات تحف الشرق الأدنى الفنية القديمة، ببعض من أثمن قطعه داخل غرفة منيعة.
جلس محبوبيان قبالتي على طاولة صغيرة، ومد يده بحذر شديد إلى حقيبة تسوق بلاستيكية خضراء تحمل علامة سلسلة متاجر كبرى بريطانية. ثم أخرج منها كأسا فضية مغطاة بأفاريز نقشت منذ زمن بعيد. وعندما وضع هذا الوعاء الذي كان بحجم غلاية الشاي على الطاولة، ظهرت لي صورة رجل يرتدي خوذة، وله صدر عريض ولحية طويلة مجدولة، وكانت ذراعاه ممدودتين في إشارة تدل على الولاء والإخلاص. أشار لي محبوبيان لألقي نظرة من كثب. سألته: "هل يمكنني حمله؟". فأجاب: "بالطبع".
كانت تحيط بالكأس صفوف مُرتَّبة من الرموز المنقوشة في شكل نجوم، ومثلثات ذات زوائد تشبه الهوائيات، وقطع ماس مخططة، وصواعق. وعندما عرّضت الكأس للضوء، لمحتُ ارتعاشًا خفيفًا في يدي؛ فلقد كان معدنها ناعمًا ومرنًا إلى درجة أنني خشيت أن ينكسر بين أصابعي. ويعود تاريخ هذه الكأس إلى أوائل العصر البرونزي، مما يعني أن الحِرَفي الذي نقش هذه الرموز بدقة على الفضة قام بذلك قبل نحو 4300 عام. أمّا ما تعنيه هذه الرموز فقد ظل لغزًا محيرًا لعلماء الآثار والمؤرخين.
تنتمي تلك الأحرف إلى نظام كتابة يسمى الكتابة "العيلامية الخطية" التي بدأ استخدامها بين عامي 2700 و2300 قبل الميلاد في مملكة قوية كانت تسمى عيلام، فيما يعرف الآن بجنوب غرب إيران. واستمر نظام الكتابة العيلامية عدة مئات من السنين قبل أن يحل محله نظام كتابة آخر وينمحي من التاريخ. وقبل ما يزيد قليلًا على قرن من الزمان، اكتشف علماء الآثار الفرنسيون الذين كانوا ينقبون في "سوسة"، عاصمة عيلام، 19 نقشًا مكتوبًا على الحجر والطين. وكان من الواضح أن السلسلات الطويلة من الرموز تعني شيئا ما. ولكن ما هو؟ لم يستطع علماء اللغة الذين درسوا هذه الرموز في محاولة لفهم الكتابة العيلامية الخطية أن يحرزوا تقدما يُذكر طوال عقود، وذلك لسبب رئيس واحد: كان مجموع المواد المكتوبة لا يزيد على نحو 40 نقشًا. ويعتمد الباحثون الذين يعملون على فك رموز اللغات القديمة بصورة عامة على وفرة الرموز لرصد حالات التكرار والأنماط ومجموعات الرموز، وهي البيانات الأولية التي توفر مؤشرات دالة على القواعد النحوية وبناء الجمل والأسماء والأماكن. وكان "فرنسوا ديسيت" أحد هؤلاء العلماء الذين انخرطوا في مَهمة تبدو مستحيلة لفهم الكتابة العيلامية الخطية، وهو عالم آثار فرنسي تحول فضوله إلى مسار استمر 20 عاما لفك رموز نظام هذه الكتابة. وقد أثارت مزاعمه الأخيرة بشأن نجاحه، والتي تصدرت عناوين الصحف، اهتمام الجمهور وشكوك المتشككين. وأكدت أيضا فكرةً مفادها أننا قد نكون بلغنا لحظة حاسمة في دراسة هذه الكتابات القديمة. ولم تُفك إلى اليوم رموز نحو اثني عشر شكلًا من أشكال الكتابة. وقد بدأ جيل جديد من العلماء في الكشف عن آخر أسرار القدماء، مستعينين في ذلك في غالب الأحيان بالتقنية الحديثة حيث استخدم هؤلاء المفككون في السنوات الأخيرة الذكاء الاصطناعي لتحديد المواقع الأثرية، واستعادة النصوص غير المقروءة، وتحليل الأنماط اللغوية للاستدلال على القواعد النحوية والمفردات. ولكن على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد سرّع من ترجمة اللغات والكتابات المعروفة لعدد قليل من العلماء، فإن هذه التقنية لم تثبت بعد القدرة الإبداعية اللازمة لفك رموز النصوص المجهولة حتى الآن.