عش عمرًا طويلا..وكن سليمًا وقويًا وسريعًا

من منظور تطوري، يظل طول العمر البشري ظاهرة حديثة نسبيًا. إذْ لم نستطع رفع متوسط العمر المتوقَّع من 47 عامًا إلى 78 عامًا إلا في بداية القرن العشرين؛ على أننا لم نبدأ إلا حديثًا في فهم الجانب العلمي لطول العمر وما يمكن أن يحققه الإنسان عند تقدمه في السن.

دقت ساعة الحقيقة بالنسبة إلى "نورا لانغدون" عندما كانت على الدرج. كان عمرها 64 عامًا، وحتى ذلك الحين كانت حياتها مُرضية إلى حد كبير: فلقد ربّت طفلين، وربطت صداقات متينة، وكانت في عقدها الثالث حين بدأت عملَها وكيلةَ عقارات في منطقة ديترويت الأميركية. لكن مع مرور الوقت أخذ وزنها يزداد، ببطء في البداية، إلى أن تجاوز فجأة حاجز المئة كيلوجرام. لم تكن رياضية يومًا -لم تمارس الرياضة قَط، أو تَرتَد الصالات، أو تلتزم ببرنامج تمارين منتظم- لكنها لم تكن خاملة أيضًا. فوالدها كان يعمل لدى مصنع للحديد والصلب، فكان يوقظ أبناءه عند الخامسة صباحًا للصلاة والإفطار، وليلًا يشاركون جميعًا في المطعم العائلي المتخصص في أطباق "السول فود"، أو المطبخ التقليدي للأميركيين من أصل إفريقي. ففي عالمها ذاك، كان بذل الجهد البدني قيمة أساسية. ومع ذلك، وجدت نفسها تعاني لتصل إلى الطابق الثاني وهي ترافق المشترين المحتملين لمنازل معروضة للبيع. عندها بدأت لانغدون تشعر بالقلق؛ إذ ظلت ترى متقاعدين يستسلمون لأسلوب حياة خامل. تقول عنهم: "بعد عشر سنوات، يرحلون لأنهم لا يفعلون شيئًا سوى العودة إلى البيت والأكل ثم الأكل والجلوس ومشاهدة التلفاز". وتستطرد قائلةً: "رأيت كثيرًا من أصدقائي يرحلون لأنهم لم يكونوا أقوياء بما يكفي". وكانت عازمة على ألّا يكون مصيرها مثلهم. "قلت لنفسي: لا، لن أغادر الحياة بهذه الطريقة". في حفلة عيد ميلادها، دخلت في حديث مع زوج إحدى صديقاتها ويُدعى "آرت ليتل". كان رشيق الجسم ومفعمًا بالحيوية وصريحًا لا يعرف المجاملة. كان يعمل مدربًا في صالة لرفع الأثقال بشمال ديترويت. دعاها إلى ارتياد صالته وتجربة تمرين. لم تكن لانغدون متأكدة من قبول الدعوة؛ فهي لم تمارس رفع الأثقال قَط من قبل، وكانت تعد نفسها دومًا "واهنة البدن". لكنها ذهبت. هنالك قادها ليتل إلى أحد مقاعد التدريب، حيث كان من حولها رجال عراض الرقاب يطلقون آهات الجهد، والأوزان الحديدية ترتطم بالأرض. طلب إليها أن تستلقي، ثم وضع في يديها عصا مكنسة لا يتجاوز وزنها 1.3 كيلوجرام. بدأت ترفعها وتخفضها، وهي تقاوم الجاذبية في كل حركة.
في تلك الليلة، عادت إلى بيتها مرهقة، بجسم يتألم في جميع مواضعه.. ولا عجب بعد سنوات من الخمول. ترددت في العودة إلى الصالة، لكن صوتًا صغيرًا في رأسها أخبرها أنها لا يمكن أن تتوقف -ليس بعد حصة وحيدة. فعادت لاحقًا في ذلك الأسبوع، ثم الأسبوع الذي تلاه. أخذ ليتل يدفعها إلى زيادة الأوزان تدريجيًا: من العصا إلى القضيب الحديدي الفارغ من الأوزان، ثم إلى القضيب المحمَّل بصفائح الأوزان. في كل مرة كانت تقول له: "لا أستطيع". فيرد عليها قائلًا: "جرّبي فحسب". وكذلك فعلت، لتكتشف أنها تحب شعور القوة المتزايدة. وبفضل تشجيع ليتل لها، سرعان ما دخلت غمار مسابقات رفع الأثقال، وبدأت تحصد الميداليات الذهبية في فئتها العمرية، بما فيها منافسات الرفعة الصدرية.. فما أبعد حالها عن حالها في تلك الحصة الأولى من التمارين. وتعد اليوم وهي في عقدها التاسع من العمر، أقوى من معظم النساء في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهن.
ليست لانغدون وحدها. إذ يتنامى عدد الأشخاص الذين لا يكتفون بممارسة الرياضة في مراحل متأخرة من حياتهم، بل يتنافسون ويحطمون الأرقام القياسية في رياضات متعددة. ففي بنسلفانيا، عاد مبرمِج حواسيب إلى الركض في الخمسينيات من عمره، وهو اليوم صاحب أسرع زمن ماراثون للعدائين فوق السبعين. وفي أيداهو، راكمت متسابقة دراجات جبلية بطولات عالمية، واكتشفت أن جعل الصحة النفسية أولويةً أعاد إليها شغفها بهذه الرياضة وساعدها على الحفاظ على صفاء الذهن وحدته. وفي أيرلندا، تَعلّم لاعب ريغبي سابق، بعد تعرضه لسلسلة من الإصابات، أن إيجاد الرياضة المناسبة لجسم يتغير هو أمر يتطلب المثابرة. وها هو اليوم يحمل رقمًا قياسيًا في "موسوعة غينيس" بصفته أول رجل يسبح مسافة ميل في مياه جليدية عبر القارات السبع.
هؤلاء الرياضيون هم نماذج مدهشة تُحتذى ضمن ثورة واسعة النطاق لكنها هادئة في فهمنا قدرات الإنسان على امتداد حياته. "هيروفومي تاناكا"، أحد أبرز الباحثين في مجال الرياضة والعمر المديد، يرى أن "الرياضيين المخضرمين" -أي الذين يواصلون المنافسة بعد سن الخامسة والثلاثين- يُجسّدون نموذجًا مقنعًا لِما يسميه "الشيخوخة الناجحة نجاحًا صارخًا"، بفضل قدرتهم على الحفاظ على القوة والتحمل وصحة القلب والأوعية الدموية حتى في مراحل متقدمة من العمر.

عش عمرًا طويلا..وكن سليمًا وقويًا وسريعًا

من منظور تطوري، يظل طول العمر البشري ظاهرة حديثة نسبيًا. إذْ لم نستطع رفع متوسط العمر المتوقَّع من 47 عامًا إلى 78 عامًا إلا في بداية القرن العشرين؛ على أننا لم نبدأ إلا حديثًا في فهم الجانب العلمي لطول العمر وما يمكن أن يحققه الإنسان عند تقدمه في السن.

دقت ساعة الحقيقة بالنسبة إلى "نورا لانغدون" عندما كانت على الدرج. كان عمرها 64 عامًا، وحتى ذلك الحين كانت حياتها مُرضية إلى حد كبير: فلقد ربّت طفلين، وربطت صداقات متينة، وكانت في عقدها الثالث حين بدأت عملَها وكيلةَ عقارات في منطقة ديترويت الأميركية. لكن مع مرور الوقت أخذ وزنها يزداد، ببطء في البداية، إلى أن تجاوز فجأة حاجز المئة كيلوجرام. لم تكن رياضية يومًا -لم تمارس الرياضة قَط، أو تَرتَد الصالات، أو تلتزم ببرنامج تمارين منتظم- لكنها لم تكن خاملة أيضًا. فوالدها كان يعمل لدى مصنع للحديد والصلب، فكان يوقظ أبناءه عند الخامسة صباحًا للصلاة والإفطار، وليلًا يشاركون جميعًا في المطعم العائلي المتخصص في أطباق "السول فود"، أو المطبخ التقليدي للأميركيين من أصل إفريقي. ففي عالمها ذاك، كان بذل الجهد البدني قيمة أساسية. ومع ذلك، وجدت نفسها تعاني لتصل إلى الطابق الثاني وهي ترافق المشترين المحتملين لمنازل معروضة للبيع. عندها بدأت لانغدون تشعر بالقلق؛ إذ ظلت ترى متقاعدين يستسلمون لأسلوب حياة خامل. تقول عنهم: "بعد عشر سنوات، يرحلون لأنهم لا يفعلون شيئًا سوى العودة إلى البيت والأكل ثم الأكل والجلوس ومشاهدة التلفاز". وتستطرد قائلةً: "رأيت كثيرًا من أصدقائي يرحلون لأنهم لم يكونوا أقوياء بما يكفي". وكانت عازمة على ألّا يكون مصيرها مثلهم. "قلت لنفسي: لا، لن أغادر الحياة بهذه الطريقة". في حفلة عيد ميلادها، دخلت في حديث مع زوج إحدى صديقاتها ويُدعى "آرت ليتل". كان رشيق الجسم ومفعمًا بالحيوية وصريحًا لا يعرف المجاملة. كان يعمل مدربًا في صالة لرفع الأثقال بشمال ديترويت. دعاها إلى ارتياد صالته وتجربة تمرين. لم تكن لانغدون متأكدة من قبول الدعوة؛ فهي لم تمارس رفع الأثقال قَط من قبل، وكانت تعد نفسها دومًا "واهنة البدن". لكنها ذهبت. هنالك قادها ليتل إلى أحد مقاعد التدريب، حيث كان من حولها رجال عراض الرقاب يطلقون آهات الجهد، والأوزان الحديدية ترتطم بالأرض. طلب إليها أن تستلقي، ثم وضع في يديها عصا مكنسة لا يتجاوز وزنها 1.3 كيلوجرام. بدأت ترفعها وتخفضها، وهي تقاوم الجاذبية في كل حركة.
في تلك الليلة، عادت إلى بيتها مرهقة، بجسم يتألم في جميع مواضعه.. ولا عجب بعد سنوات من الخمول. ترددت في العودة إلى الصالة، لكن صوتًا صغيرًا في رأسها أخبرها أنها لا يمكن أن تتوقف -ليس بعد حصة وحيدة. فعادت لاحقًا في ذلك الأسبوع، ثم الأسبوع الذي تلاه. أخذ ليتل يدفعها إلى زيادة الأوزان تدريجيًا: من العصا إلى القضيب الحديدي الفارغ من الأوزان، ثم إلى القضيب المحمَّل بصفائح الأوزان. في كل مرة كانت تقول له: "لا أستطيع". فيرد عليها قائلًا: "جرّبي فحسب". وكذلك فعلت، لتكتشف أنها تحب شعور القوة المتزايدة. وبفضل تشجيع ليتل لها، سرعان ما دخلت غمار مسابقات رفع الأثقال، وبدأت تحصد الميداليات الذهبية في فئتها العمرية، بما فيها منافسات الرفعة الصدرية.. فما أبعد حالها عن حالها في تلك الحصة الأولى من التمارين. وتعد اليوم وهي في عقدها التاسع من العمر، أقوى من معظم النساء في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهن.
ليست لانغدون وحدها. إذ يتنامى عدد الأشخاص الذين لا يكتفون بممارسة الرياضة في مراحل متأخرة من حياتهم، بل يتنافسون ويحطمون الأرقام القياسية في رياضات متعددة. ففي بنسلفانيا، عاد مبرمِج حواسيب إلى الركض في الخمسينيات من عمره، وهو اليوم صاحب أسرع زمن ماراثون للعدائين فوق السبعين. وفي أيداهو، راكمت متسابقة دراجات جبلية بطولات عالمية، واكتشفت أن جعل الصحة النفسية أولويةً أعاد إليها شغفها بهذه الرياضة وساعدها على الحفاظ على صفاء الذهن وحدته. وفي أيرلندا، تَعلّم لاعب ريغبي سابق، بعد تعرضه لسلسلة من الإصابات، أن إيجاد الرياضة المناسبة لجسم يتغير هو أمر يتطلب المثابرة. وها هو اليوم يحمل رقمًا قياسيًا في "موسوعة غينيس" بصفته أول رجل يسبح مسافة ميل في مياه جليدية عبر القارات السبع.
هؤلاء الرياضيون هم نماذج مدهشة تُحتذى ضمن ثورة واسعة النطاق لكنها هادئة في فهمنا قدرات الإنسان على امتداد حياته. "هيروفومي تاناكا"، أحد أبرز الباحثين في مجال الرياضة والعمر المديد، يرى أن "الرياضيين المخضرمين" -أي الذين يواصلون المنافسة بعد سن الخامسة والثلاثين- يُجسّدون نموذجًا مقنعًا لِما يسميه "الشيخوخة الناجحة نجاحًا صارخًا"، بفضل قدرتهم على الحفاظ على القوة والتحمل وصحة القلب والأوعية الدموية حتى في مراحل متقدمة من العمر.