بحـثًا عن فـراشة أبــي
أخبرني والدي ذات مرة أن متوسط عمر الفراشات نادرًا ما يتجاوز بضعة أسابيع. كان مهووسًا بها منذ صباه، وقد اصطاد الآلاف منها خلال حياته. دأبَ على استخدام الدبابيس والملاقط ليُفرد أجنحتها على فارشة خشبية، دون أن يتضرر ولو قُرين استشعار واحد منها. ثم كان يُثبِّت هذه الحشرات على لوح من الفلين بحَشْر إبر رفيعة في أعلى صدورها ورشها بمواد كيميائية لحفظ أجسامها وأجنحتها. كان يرتب الفراشات والعث بعناية حسب أنواعها وفصائلها في عُلب العرض، مستعينًا بعدسة مكبرة ليدوّن أسماءها اللاتينية على ملصقات أصغر من بذرة عباد الشمس. كانت عيّناته تلك تلمع في الصناديق الزجاجية التي تؤويها.
كان والدي، "رستم أفندي"، عالِم حشرات أذربيجانيًا سوفياتيًا، وذا باع طويل في مجال الفراشات والعث بمنطقة القوقاز. في منزل طفولتي، في باكو عاصمة أذربيجان، كان أبي نادر الحضور بين ظهرانينا. فلقد كان يُمضي معظم فصول الشتاء في سبات لدى شقته الصغيرة في جزء آخر من المدينة، بانتظار بدء موسم الفراشات في أواخر الربيع. وعند ذوبان آخر بقع الثلج في السهول المنخفضة، يشد الرحال صوب الجبال لدراسة الفراشات وصيدها وجمعها. ويُحضر معه عند العودة شرانق في أوعية، ويرقات تتلوى في علب أعواد الثـقـاب، وفـراشات مطوية في مظاريف؛ ويحرص عليها كلها باهتمامِ أُمٍّ ترعى مولودها الجديد.
كرَّس حياته لعمله قبل أن يتوفى في منتصف الخمسينات من عمره، وكان عمري آنذاك أربعة عشر ربيعًا. بالكاد كنت أعرف والدي. فذكرياتي عنه مجرد مقتطفات متفرقة، أو مجموعة صور باهتة وروايات متضاربة. وعلى مرّ العقود الثلاثة الماضية بصفتي صحافية ومصورة فوتوغرافية، انغمستُ كليًا في إعادة بناء قصة حياته.
قبل أعوام من اليوم، صادفت صفحته على "ويكيبيديا" حيث نقرت على رابط قادني إلى صورة لفراشة ذات ألوان غير جذابة. كُتب في الوصف أسفل الصورة: النوع: "ساتيروس أفندي" (Satyrus effendi) من فصيلة الحوريات (Nymphalidae). وفي أسفل الصفحة، علمتُ أن "يوري نيكروتنكو"، عالم حشرات من أوكرانيا، اكتشف نوعًا جديدًا من الفراشات بمنطقة القوقاز في عام 1989 وأطلق عليه هذا الاسم تكريمًا لرستم، صديقه الحميم وزميله. وعلمت لاحقًا أن يوري مازح والدي في ذلك الوقت قائلًا: ما دمتَ قد أنجبتَ البنات فقط، فإن اسمك العائلي سيُخلَّد بهذه الفراشة. فلنأمل ألّا يكون مصيرها الانقراض.
لكن هذه الفراشة التي تحمل اسمه ربما تكون إحدى أندر الفراشات في العالم. إذ لا يفقس منها سوى جيل واحد بين منتصف يوليو ومنتصف أغسطس، لتحلّق في موئلها الجبلي على ارتفاع 3000 متر فوق مستوى سطح البحر. وللتغلب على الظروف القاسية، تتميز ساتيروس أفندي بقشور تشبه الفراء على أجنحتها ولون بني غامق يمكنها من الحفاظ على دفئها. أما السمة الجسدية الأكثر تميزًا لديها فهي علامتان سوداوان، مثل عينين ببؤبؤ أبيض، يتوهج كل منهما من زاوية الجناحين. ترفرف هذه الحشرة على مرّ أسبوعين فوق سلسلة جبال "زنغزور" التي تمتد زُهاء 160 كيلومترًا عبر الحدود بين أذربيجان وأرمينيا، وهما دولتان في خضم صراع دام عقودًا من الزمن.
وتمكن والدي بصفته أحد علماء الحشرات القلائل في أذربيجان السوفياتية، من اصطياد أنواع كثيرة من الفَراش، كلٌّ منها مُخزَّن لدى "معهد علم الحيوان" التابع لـ"الأكاديمية الوطنية للعلوم" في باكو، حيث عمل أكثر من ثلاثة عقود. مرت أعوام وأعوام منذ ذلك الحين، وبدأ جزء كبير من مجموعته يتحول إلى غبار. بحثت عن إشارات إلى ساتيروس أفندي في الأعمال العلمية التي ألَّفها والدي، وفي مجلاته الميدانية، وبين العيّنات المتبقية في مجموعته؛ لكنني لم أجد أي أثر لها. فاستنتجت أنها كانت واحدة من الأنواع المتوطنة الوحيدة التي لم يتمكن من اصطيادها. فتساءلت إنْ كان بإمكاني أنا فعل ذلك.
بحـثًا عن فـراشة أبــي
أخبرني والدي ذات مرة أن متوسط عمر الفراشات نادرًا ما يتجاوز بضعة أسابيع. كان مهووسًا بها منذ صباه، وقد اصطاد الآلاف منها خلال حياته. دأبَ على استخدام الدبابيس والملاقط ليُفرد أجنحتها على فارشة خشبية، دون أن يتضرر ولو قُرين استشعار واحد منها. ثم كان يُثبِّت هذه الحشرات على لوح من الفلين بحَشْر إبر رفيعة في أعلى صدورها ورشها بمواد كيميائية لحفظ أجسامها وأجنحتها. كان يرتب الفراشات والعث بعناية حسب أنواعها وفصائلها في عُلب العرض، مستعينًا بعدسة مكبرة ليدوّن أسماءها اللاتينية على ملصقات أصغر من بذرة عباد الشمس. كانت عيّناته تلك تلمع في الصناديق الزجاجية التي تؤويها.
كان والدي، "رستم أفندي"، عالِم حشرات أذربيجانيًا سوفياتيًا، وذا باع طويل في مجال الفراشات والعث بمنطقة القوقاز. في منزل طفولتي، في باكو عاصمة أذربيجان، كان أبي نادر الحضور بين ظهرانينا. فلقد كان يُمضي معظم فصول الشتاء في سبات لدى شقته الصغيرة في جزء آخر من المدينة، بانتظار بدء موسم الفراشات في أواخر الربيع. وعند ذوبان آخر بقع الثلج في السهول المنخفضة، يشد الرحال صوب الجبال لدراسة الفراشات وصيدها وجمعها. ويُحضر معه عند العودة شرانق في أوعية، ويرقات تتلوى في علب أعواد الثـقـاب، وفـراشات مطوية في مظاريف؛ ويحرص عليها كلها باهتمامِ أُمٍّ ترعى مولودها الجديد.
كرَّس حياته لعمله قبل أن يتوفى في منتصف الخمسينات من عمره، وكان عمري آنذاك أربعة عشر ربيعًا. بالكاد كنت أعرف والدي. فذكرياتي عنه مجرد مقتطفات متفرقة، أو مجموعة صور باهتة وروايات متضاربة. وعلى مرّ العقود الثلاثة الماضية بصفتي صحافية ومصورة فوتوغرافية، انغمستُ كليًا في إعادة بناء قصة حياته.
قبل أعوام من اليوم، صادفت صفحته على "ويكيبيديا" حيث نقرت على رابط قادني إلى صورة لفراشة ذات ألوان غير جذابة. كُتب في الوصف أسفل الصورة: النوع: "ساتيروس أفندي" (Satyrus effendi) من فصيلة الحوريات (Nymphalidae). وفي أسفل الصفحة، علمتُ أن "يوري نيكروتنكو"، عالم حشرات من أوكرانيا، اكتشف نوعًا جديدًا من الفراشات بمنطقة القوقاز في عام 1989 وأطلق عليه هذا الاسم تكريمًا لرستم، صديقه الحميم وزميله. وعلمت لاحقًا أن يوري مازح والدي في ذلك الوقت قائلًا: ما دمتَ قد أنجبتَ البنات فقط، فإن اسمك العائلي سيُخلَّد بهذه الفراشة. فلنأمل ألّا يكون مصيرها الانقراض.
لكن هذه الفراشة التي تحمل اسمه ربما تكون إحدى أندر الفراشات في العالم. إذ لا يفقس منها سوى جيل واحد بين منتصف يوليو ومنتصف أغسطس، لتحلّق في موئلها الجبلي على ارتفاع 3000 متر فوق مستوى سطح البحر. وللتغلب على الظروف القاسية، تتميز ساتيروس أفندي بقشور تشبه الفراء على أجنحتها ولون بني غامق يمكنها من الحفاظ على دفئها. أما السمة الجسدية الأكثر تميزًا لديها فهي علامتان سوداوان، مثل عينين ببؤبؤ أبيض، يتوهج كل منهما من زاوية الجناحين. ترفرف هذه الحشرة على مرّ أسبوعين فوق سلسلة جبال "زنغزور" التي تمتد زُهاء 160 كيلومترًا عبر الحدود بين أذربيجان وأرمينيا، وهما دولتان في خضم صراع دام عقودًا من الزمن.
وتمكن والدي بصفته أحد علماء الحشرات القلائل في أذربيجان السوفياتية، من اصطياد أنواع كثيرة من الفَراش، كلٌّ منها مُخزَّن لدى "معهد علم الحيوان" التابع لـ"الأكاديمية الوطنية للعلوم" في باكو، حيث عمل أكثر من ثلاثة عقود. مرت أعوام وأعوام منذ ذلك الحين، وبدأ جزء كبير من مجموعته يتحول إلى غبار. بحثت عن إشارات إلى ساتيروس أفندي في الأعمال العلمية التي ألَّفها والدي، وفي مجلاته الميدانية، وبين العيّنات المتبقية في مجموعته؛ لكنني لم أجد أي أثر لها. فاستنتجت أنها كانت واحدة من الأنواع المتوطنة الوحيدة التي لم يتمكن من اصطيادها. فتساءلت إنْ كان بإمكاني أنا فعل ذلك.