الفايكنغ بين الأسطورة والتـاريـخ
كانوا طويلي القامة وذوي شعر أشقر وعيون زرقاء تفيض قسوة. كانوا همجيين تتكلل رؤوسهم بخوذات ذات قرون مرعبة ومنغمسين في النهب والطقوس الدموية. فهل كانت تلك صورة دقيقة للشعب الذي لم يرسم توسعُه حدودَ المناطق الشمالية لأوروبا فحسب، بل امتد ليشمل أراض نائية أيضًا؛ أم إنها صورة موغلة في المبالغة والخيال؟
يحيط بالفايكينغ كثيرٌ من الأساطير والتصورات الخاطئة التي وُلدت مع غزواتهم الأولى للجزر البريطانية، في أواخر القرن الثامن للميلاد. وقد ظلت تأسر خيالنا منذ ذلك الحين، فألهمت عروض الأوبرا والأفلام والروايات والقصص المصورة وحتى ألعاب الفيديو؛ وهو ما يجعل من فصل الحقيقة عن الخيال مهمة شاقة. فلا يزال الباحثون يعملون إلى اليوم على استخراج القطع الأثرية واستقصاء أصولها. وتُعلي الاكتشافات الحديثة من شأن الفايكينغ بصفتهم أول الأوروبيين الذين وطئت أقدامهم العالم الجديد، قبل قَدَم كولومبوس بـ400 عام على الأقل، وتشير دراسات الحمض النووي الأولى لبقاياهم إلى أنهم كانوا مجموعة متنوعة. وتكشف الأحافير عن كنوز مدفونة، ككنز الحلي الذي اكتُشف في ضاحية مدينة ستوكهولم السويدية في عام 2023؛ وهو ما يزيد من افتتاننا بهؤلاء الغزاة القدامى. وفي الوقت الذي يعكف فيه علماء الآثار على كشف تفاصيل أكثر فأكثر، سنُلقي نظرة إلى بعض الأساطير الخالدة التي ظل الفايكينغ مصدر إلهام لها.
أسطورة
كان الفايكينغ مجموعة بشرية واحدة
غالبًا ما يُنظر إلى الفايكينغ بوصفهم أمة واحدة، والحال أنهم كانوا يشكلون مجموعات صغيرة حكمها زعماء منتخَبون. وقد تعاونت بعض هذه القبائل -التي عاشت في ما يعرف الآن بالمنطقة الإسكندنافية- مع بعضها بعضًا في تنظيم غزوات ضد البلدان الأجنبية. ولا تشير كلمة "فايكينغ" إلى شعب بل إلى نشاط. ففي القرنين اللذين ساد خلالهما عصر الفايكينغ، كان جل سكان شمال أوروبا يعملون في صيد الأسماك والزراعة والتجارة والحِرَف اليدوية. وقد كتب "بريان ماك ماهون" الباحث لدى "جامعة أكسفورد" في مؤلفه "الفايكينغ: الأسطورة والتصورات الخاطئة": "كان 'الذهاب في رحلات الفايكينغ للغزو' (go viking) أمرًا يمكن للرجل أن يقوم به في شبابه لينال الشرف وغنائم الحرب؛ ولكن كان من النادر أن يشارك أي رجل في غزوات أجنبية على نحو مستمر طوال حياته". أما أصل اسم "الفايكينغ" نفسه فهو غير مؤكد. فهذه الكلمة الإسكندنافية القديمة كانت تعني في الغالب "قرصان" أو "غازي". ومن المرجح أنها كانت مشتقة من كلمة سابقة معاصرة للفايكينغ. ويشير هذا المصطلح، حسب ماك ماهون، إلى أولئك "الذين كانوا يغامرون بالذهاب إلى ما وراء البحار بغرض الغزو والنهب". ويضيف: "تعني كلمة (Vik) "خليج" أو "خور" كما هو الحال في "ريكيافيك" في أيسلندا، حيث استقر المهاجرون الإسكندنافيون أول مرة في عام 870 للميلاد، على وجه التقريب". ويقدم المؤرخ السويدي "فريتز أسكيبيرغ" وجهة نظر أخرى. فالفعل (vikja) يعني "كسر" أو "لوى" أو "انحرف"؛ والفايكينغ، كما يوضح أسكيبيرغ في كتابه عن الثقافة الإسكندنافية أو النوردية القديمة، كانوا أناسًا خرجوا عن الأعراف المجتمعية المعتادة، وهجروا ديارهم باتجاه البحر بحثًا عن الشهرة والغنائم.
أسطورة
كان الفايكينغ قُساة إلى أبعد الحدود
"لم يسبق أن حدَث رعب في بريطانيا كما يحدِثه الآن هذا العِرق الوثني.. لقد أراق هؤلاء الهمجيون دماء القديسين حول المذبح وداسوا أجساد القديسين في معبد الرب كما يداس الروث في الشوارع". دوَّن هذا الوصفَ المرعبَ للهجوم على "دير لينديسفارن" الواقع في جزيرة قبالة ساحل شمال شرق إنجلترا، العالِمُ "ألكوين" في عام 793، وهو الحدث الذي أعلن بداية عصر الفايكينغ في أوروبا، ودام أكثر من 250 عامًا. وعلى أن الفايكينغ كانوا يبثون الخوف والرعب في النفوس، فإن الخبراء يقولون إن العنف كان أمرًا متوطنًا في شتى المناطق؛ إذْ تقول "جوان شورت باتلر" من "جامعة كامبريدج": "لا تختلف وحشية الفايكينغ عمّا كان يَحدث في تلك العصور. ولم يكونوا أكثر وحشية من ممثلي الأمم أو القبائل الأخرى. فقد كانت جرائم القتل والحرق والنهب هي السائدة في ذلك الوقت." وكتبت باتلر أيضًا ما يلي: "انظروا إلى تصرفات شارلمان، ملك الفرنكيين أو الفرنجة خلال عصر الفايكينغ. لقد أمر راعي إحياء الثقافة القديمة بقطع رؤوس 4500 سكسوني في فيردين!".
الفايكنغ بين الأسطورة والتـاريـخ
كانوا طويلي القامة وذوي شعر أشقر وعيون زرقاء تفيض قسوة. كانوا همجيين تتكلل رؤوسهم بخوذات ذات قرون مرعبة ومنغمسين في النهب والطقوس الدموية. فهل كانت تلك صورة دقيقة للشعب الذي لم يرسم توسعُه حدودَ المناطق الشمالية لأوروبا فحسب، بل امتد ليشمل أراض نائية أيضًا؛ أم إنها صورة موغلة في المبالغة والخيال؟
يحيط بالفايكينغ كثيرٌ من الأساطير والتصورات الخاطئة التي وُلدت مع غزواتهم الأولى للجزر البريطانية، في أواخر القرن الثامن للميلاد. وقد ظلت تأسر خيالنا منذ ذلك الحين، فألهمت عروض الأوبرا والأفلام والروايات والقصص المصورة وحتى ألعاب الفيديو؛ وهو ما يجعل من فصل الحقيقة عن الخيال مهمة شاقة. فلا يزال الباحثون يعملون إلى اليوم على استخراج القطع الأثرية واستقصاء أصولها. وتُعلي الاكتشافات الحديثة من شأن الفايكينغ بصفتهم أول الأوروبيين الذين وطئت أقدامهم العالم الجديد، قبل قَدَم كولومبوس بـ400 عام على الأقل، وتشير دراسات الحمض النووي الأولى لبقاياهم إلى أنهم كانوا مجموعة متنوعة. وتكشف الأحافير عن كنوز مدفونة، ككنز الحلي الذي اكتُشف في ضاحية مدينة ستوكهولم السويدية في عام 2023؛ وهو ما يزيد من افتتاننا بهؤلاء الغزاة القدامى. وفي الوقت الذي يعكف فيه علماء الآثار على كشف تفاصيل أكثر فأكثر، سنُلقي نظرة إلى بعض الأساطير الخالدة التي ظل الفايكينغ مصدر إلهام لها.
أسطورة
كان الفايكينغ مجموعة بشرية واحدة
غالبًا ما يُنظر إلى الفايكينغ بوصفهم أمة واحدة، والحال أنهم كانوا يشكلون مجموعات صغيرة حكمها زعماء منتخَبون. وقد تعاونت بعض هذه القبائل -التي عاشت في ما يعرف الآن بالمنطقة الإسكندنافية- مع بعضها بعضًا في تنظيم غزوات ضد البلدان الأجنبية. ولا تشير كلمة "فايكينغ" إلى شعب بل إلى نشاط. ففي القرنين اللذين ساد خلالهما عصر الفايكينغ، كان جل سكان شمال أوروبا يعملون في صيد الأسماك والزراعة والتجارة والحِرَف اليدوية. وقد كتب "بريان ماك ماهون" الباحث لدى "جامعة أكسفورد" في مؤلفه "الفايكينغ: الأسطورة والتصورات الخاطئة": "كان 'الذهاب في رحلات الفايكينغ للغزو' (go viking) أمرًا يمكن للرجل أن يقوم به في شبابه لينال الشرف وغنائم الحرب؛ ولكن كان من النادر أن يشارك أي رجل في غزوات أجنبية على نحو مستمر طوال حياته". أما أصل اسم "الفايكينغ" نفسه فهو غير مؤكد. فهذه الكلمة الإسكندنافية القديمة كانت تعني في الغالب "قرصان" أو "غازي". ومن المرجح أنها كانت مشتقة من كلمة سابقة معاصرة للفايكينغ. ويشير هذا المصطلح، حسب ماك ماهون، إلى أولئك "الذين كانوا يغامرون بالذهاب إلى ما وراء البحار بغرض الغزو والنهب". ويضيف: "تعني كلمة (Vik) "خليج" أو "خور" كما هو الحال في "ريكيافيك" في أيسلندا، حيث استقر المهاجرون الإسكندنافيون أول مرة في عام 870 للميلاد، على وجه التقريب". ويقدم المؤرخ السويدي "فريتز أسكيبيرغ" وجهة نظر أخرى. فالفعل (vikja) يعني "كسر" أو "لوى" أو "انحرف"؛ والفايكينغ، كما يوضح أسكيبيرغ في كتابه عن الثقافة الإسكندنافية أو النوردية القديمة، كانوا أناسًا خرجوا عن الأعراف المجتمعية المعتادة، وهجروا ديارهم باتجاه البحر بحثًا عن الشهرة والغنائم.
أسطورة
كان الفايكينغ قُساة إلى أبعد الحدود
"لم يسبق أن حدَث رعب في بريطانيا كما يحدِثه الآن هذا العِرق الوثني.. لقد أراق هؤلاء الهمجيون دماء القديسين حول المذبح وداسوا أجساد القديسين في معبد الرب كما يداس الروث في الشوارع". دوَّن هذا الوصفَ المرعبَ للهجوم على "دير لينديسفارن" الواقع في جزيرة قبالة ساحل شمال شرق إنجلترا، العالِمُ "ألكوين" في عام 793، وهو الحدث الذي أعلن بداية عصر الفايكينغ في أوروبا، ودام أكثر من 250 عامًا. وعلى أن الفايكينغ كانوا يبثون الخوف والرعب في النفوس، فإن الخبراء يقولون إن العنف كان أمرًا متوطنًا في شتى المناطق؛ إذْ تقول "جوان شورت باتلر" من "جامعة كامبريدج": "لا تختلف وحشية الفايكينغ عمّا كان يَحدث في تلك العصور. ولم يكونوا أكثر وحشية من ممثلي الأمم أو القبائل الأخرى. فقد كانت جرائم القتل والحرق والنهب هي السائدة في ذلك الوقت." وكتبت باتلر أيضًا ما يلي: "انظروا إلى تصرفات شارلمان، ملك الفرنكيين أو الفرنجة خلال عصر الفايكينغ. لقد أمر راعي إحياء الثقافة القديمة بقطع رؤوس 4500 سكسوني في فيردين!".