سفر عبر الزمن إلى أبكر المجرات

أقوى تليسكوب فضائي صُنع على الإطلاق، يبحث عن نشأة الكون.

عندما كان الكون حديث النشأة،

 قبل أكثر من 13.5 مليار سنة، لم تكن ثمة من نجوم تسطع في الفضاء. يُطلق علماء الفلك على تلك الحقبة اسم العصور المظلمة، وهو زمن كان الكون فيه ممتلأ بغاز الهيدروجين والهيليوم، المادة الخام لجميع العوالم -النجوم والكواكب- التي تشكلت في زمن لاحق. وكانت هناك أيضًا مادة غامضة تُعرف باسم المادة المظلمة، بجاذبيتها التي تفتل الغاز داخل شبكة معقدة. وإذ تمددت تلك المادة وبردت، تجمَّعت أجزاء من المادة المظلمة واندمجت في أجرام سماوية شديدة الضخامة، دافعةً الغاز إلى لُبّها. وأجبر ضغط الجاذبية المتعاظم داخل هذه الهالات، كما سمّاها علماء الفلك، ذرات الهيدروجين على الاندماج لتكوين الهيليوم؛ مما أدى إلى إشعال أولى نجوم الكون البدائي.
رُحتُ أشاهد بزوغ فجر الكون من خلال نظارات ثلاثية الأبعاد وأنا جالس إزاء جهاز عرض لدى "معهد كافلي لفيزياء الجسيمات الفلكية وعلم الكونيات" التابع لِـ"جامعة ستانفورد". هنالك أدهشني مشهد خيوط المادة المظلمة وهي تتخذ لونًا رماديًا شاحبًا على الشاشة وتتفرع بين الهالات مع تمدد الكون. زحفت دوامات النجوم المولودة حديثًا نحو مراكز الهالات لتُشكل المجرات الأولى. وظل العلماء يكتبون قصة نشأة الكون منذ عقود من الزمن، ولكن في عام 2022، أعاد التليسكوب الفضائي الأكبر والأكثر تقدمًا على الإطلاق كتابة الفصول الأولى للقصة. فالمجرات القديمة التي رصدها "تليسكوب جيمس ويب الفضائي" ("ويب" اختصارًا) هي أسطع وأكثر عددًا ونشاطًا مما كان متوقعًا؛ ما كشف عن بداية محمومة ومفعمة بالطاقة لملحمة المكان والزمان الكونية. على أن "ويب" لا يمكنه رؤية النجوم الأولى، لأنها لم تكن ساطعة بما يكفي لرصدها منفردة. فلقد توهجت هذه الوحوش المبكرة بحرارة هائلة وازدادت ضخامتها قبل أن تنفجر في شكل مستعرات عظمى بعد بضعة ملايين من السنين على بزوغها.. وما تلكم سوى برهة وجيزة من الزمن الفلكي. قال "توم أبيل"، عالم الكونيات الحسابية ودليلي خلال عمليات المحاكاة هذه: "لقد أبطأنا وتيرة تلك الأحداث هنا، لأنها ذات سرعة جنونية". كان يرتدي قرطًا على شاكلة إنسان مُكوَّم في وضع جنين. استطرد قائلًا: "إنها سريعة جدًا. فالنسخة الواقعية الكاملة كانت ستبدو مثل ومضات أسرع بكثير". تلك الومضات، وهي مستعرات عظمى من نجوم تفوق كتلتها مئات المرات كتلة الشمس، حوّلت الكون. هنالك تَولَّدت عناصر جديدة (الأوكسجين لصنع الماء، والسليكون لبناء الكواكب، والفوسفور لتزويد الخلايا بالطاقة) وانتشرت في أنحاء الكون. قامت تلك النجوم الأولى أيضًا بتفكيك ذرات غاز الهيدروجين المحيط بها، مما أدى إلى حرق الضباب الكوني (أي الغازات) وتبديده فأصبح الكون أوضح؛ وهي حقبة رئيسة تُعرف باسم إعادة التأيّن (Reionization). ومع انقشاع ذلك الضباب، اندمجت عناقيد من النجوم وطفقت تتكتل بشكل دوَّامي في تجمعات أكبر فأكبر، من ضمنها بذرة مجرتنا، "درب التبانة". كان أبيل قد شرع في إنشاء نماذج لولادة النجوم الأولى في تسعينيات القرن الماضي، حين لم يكن أحد يعرف ما هو أقدم جرم فلكي، سواء أكان ثقبًا أسود أم جرمًا بحجم كوكب المشتري أو أي شيء آخر. إذ أسهم بمعية زملائه، من خلال المحاكاة الحاسوبية، في التوصل إلى أن أول أجرام الكون كانت بالضرورة نجومًا، تطورت واشتعلت في أماكن نجحت فيها الجاذبية ببطء في منع الغاز من الاندثار في الفضاء، ثم إرجاعه حوالي النجوم. لكن أبيل في نهاية الأمر صرف اهتمامه عن محاكاة ولادة النجوم؛ إذ اعتقد أنه لم يعد هناك شيء يمكن تعلمه. ثم جاء "ويب".  أُطلق هذا التليسكوب الفضائي صبيحة عيد الكريسماس في عام 2021، وهو موجود الآن على بعد أكثر من مليون كيلومتر عن الأرض. وتلتقط مرآته الأساسية المطلية بالذهب، والتي يبلغ طولها 6.5 متر، ضوء المجرات القديمة التي ظلت تسافر عبر الفضاء منذ أكثر من 13 مليار سنة؛ فيكشف عن شكل المجرات كما كانت في الماضي السحيق.
تَرقَّب علماء الفلك العثور على بعض تلك المجرات الناشئة باستخدام "ويب". لكنهم لم يتوقعوا العثور على هذا العدد الكبير، أو أن هذه الاكتشافات يمكن أن تزعزع فهمهم لتاريخ المجرات. انطلق أعمق مسح للمجرات في الكون على الإطلاق في سبتمبر 2022، حين شرع ائتلاف دولي يُعرف اختصارًا باسم "جيدز" (JADES)، أو "مسح ويب المتقدم العميق لما وراء المجرات"، في استخدام هذا التليسكوب لرصد بقع من السماء على مدى عشرات الساعات في المرة الواحدة. وبعد أسبوعين من بدء عملية الرصد، اجتمع فريق الائتلاف في مدينة توكسون لدى "جامعة أريزونا" لمناقشة النتائج الأولى. ففي مبنى حديث مكون من خمسة طوابق به ردهة كبيرة في الهواء الطلق مصممة على شاكلة واد اضيق، التأم زُهاء 50 عالم فلك في قاعة دراسية ضيقة. منهم من وقف في الخلف ومنهم من جلب كراس إضافية للجلوس على طول الجدران. هنالك قالت "مارسيا ريكي"، عالمة الفلك في الجامعة نفسها وأحد قادة هذا الائتلاف: "سأضطر للشروع في حجز قاعات أكبر". كان هؤلاء العلماء، من أساتذة دائمين إلى طلاب دراسات عليا في العشرينات من العمر، منشغلين بالفسيفساء الظاهرة على شاشات حواسيبهم المحمولة: مئات الصور التي التقطها "ويب" حديثًا ودمجها معًا. شملَت الصورة، التي تَشارَكها الفريق قبل أيام فقط، عشرات الآلاف من المجرات والأجرام السماوية الأخرى. سرَت غمغمةٌ متحمسة بين الحاضرين وهم يُرُون بعضَهم بعضًا أشياء لم يسبق رؤيتها من قبل: مناطق تَكَوّن نجوم نشطة، ومراكز مجرات متوهجة يُحتمَل وجود ثقوب سوداء فيها، وفقاقيع ضوء محْمَرّة منبعثة من مجرات بعيدة جدًا لا يستطيع رصدها سوى "ويب". قالت لي ريكي: "مشهدنا شبيه بأطفال في متجر حلوى". تم تصميم "ويب"، على خلاف "تليسكوب هابل الفضائي"، نافذتنا السابقة على الماضي السحيق للكون، للرصد في الأشعة تحت الحمراء، مما يجعله مثاليًا لالتقاط ضوء النجوم المبكر. فتلك الأشعة تركت مصدرها على شكل أشعة فوق بنفسجية، لكنها امتدت إلى أطوال موجية أكثر احمرارًا بفعل تمدد الكون، وهي ظاهرة تعرف باسم الانزياح الأحمر. فكلما زاد الانزياح الأحمر، كانت الأطوال الموجية ذات أصول أقدم وزاد بعدها عن هذه الأصول. كانت ريكي تُدير تلك العروض بمزيج من البهجة الأصيلة والتأمل الحكيم، فتتدخل للإجابة عن سؤال فني أو تتوجه إلى أحد أعضاء الفريق بين المحادثات لمناقشة طريقة عمل التليسكوب. وإلى جانب كونها عالمة رائدة في ائتلاف "جيدز"، فإنها المحلّلة الرئيسة للبيانات التي جمعتها كاميرا "ويب" العاملة بالأشعة تحت الحمراء القريبة، أو "نيركام" (NIRCam)، مصدر فسيفساء المجرات على شاشات حواسيب الحاضرين. وقد أشرفت على تصميم الكاميرا، وهي تجميع مرايا وعدسات وكاشفات وزنها 150 كيلوجرامًا، هدفها استيعاب ضوء الكون بأكمله ودراسته من خلال مرشحات مختلفة. قالت: "هذه الصور هي كل ما كنا نأمل". ولكن، لم يكن كل شيء في التليسكوب يعمل على النحو المثالي. فقد كان مِطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة الخاص بـ"جيدز"، أو"نيرس-بيك" (NIR-Spec)، يعاني تماسًّا كهربائيًا أدى إلى ظهور بقع من الضوء وأغرق الأهداف الفلكية في بعض عمليات الرصد. تقوم هذه الأداة بتقسيم الضوء إلى أطياف، مما يسمح للعلماء بتجميع التركيبة الكيميائية لمجرةٍ ما وقياس انزياحها الأحمر بدقة. فبالإمكان استخدام صور "نيركام" لتقدير المسافات إلى المجرات، إلا أن "نيرس-بيك" كان ضروريًا للتأكد منها.
وقد أدت حالات التماس الكهربائي تلك إلى تأخير بعض ملاحظات الفريق، وهو حدثٌ تَبَينَ أنه كان مصادفة حسنة. فعلماء الفلك كانوا قد خططوا لاستخدام "نيرس-بيك" لفحص الأجرام المعروفة سلفًا بواسطة "هابل"، ولكن صار بإمكانهم الآن تغيير تلك الأهداف إلى المجرات التي اكتشفها "نيركام" للتو. حدّثني "كيفن هاينلاين"، عالم الفيزياء الفلكية لدى "جامعة أريزونا"، لاحقًا في مكتبه فقال: "لقد طفقنا نمحّص بشكل محموم هذه البيانات التي لم يرها أحد من قبل، بحثًا عن المجرات المرشَّحة لتكون الأبكر". 

اقرأ التفاصيل الكاملة في النسخة الورقية من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية"
أو عبر النسخة الرقمية من خلال الرابط التالي: https://linktr.ee/natgeomagarab

سفر عبر الزمن إلى أبكر المجرات

أقوى تليسكوب فضائي صُنع على الإطلاق، يبحث عن نشأة الكون.

عندما كان الكون حديث النشأة،

 قبل أكثر من 13.5 مليار سنة، لم تكن ثمة من نجوم تسطع في الفضاء. يُطلق علماء الفلك على تلك الحقبة اسم العصور المظلمة، وهو زمن كان الكون فيه ممتلأ بغاز الهيدروجين والهيليوم، المادة الخام لجميع العوالم -النجوم والكواكب- التي تشكلت في زمن لاحق. وكانت هناك أيضًا مادة غامضة تُعرف باسم المادة المظلمة، بجاذبيتها التي تفتل الغاز داخل شبكة معقدة. وإذ تمددت تلك المادة وبردت، تجمَّعت أجزاء من المادة المظلمة واندمجت في أجرام سماوية شديدة الضخامة، دافعةً الغاز إلى لُبّها. وأجبر ضغط الجاذبية المتعاظم داخل هذه الهالات، كما سمّاها علماء الفلك، ذرات الهيدروجين على الاندماج لتكوين الهيليوم؛ مما أدى إلى إشعال أولى نجوم الكون البدائي.
رُحتُ أشاهد بزوغ فجر الكون من خلال نظارات ثلاثية الأبعاد وأنا جالس إزاء جهاز عرض لدى "معهد كافلي لفيزياء الجسيمات الفلكية وعلم الكونيات" التابع لِـ"جامعة ستانفورد". هنالك أدهشني مشهد خيوط المادة المظلمة وهي تتخذ لونًا رماديًا شاحبًا على الشاشة وتتفرع بين الهالات مع تمدد الكون. زحفت دوامات النجوم المولودة حديثًا نحو مراكز الهالات لتُشكل المجرات الأولى. وظل العلماء يكتبون قصة نشأة الكون منذ عقود من الزمن، ولكن في عام 2022، أعاد التليسكوب الفضائي الأكبر والأكثر تقدمًا على الإطلاق كتابة الفصول الأولى للقصة. فالمجرات القديمة التي رصدها "تليسكوب جيمس ويب الفضائي" ("ويب" اختصارًا) هي أسطع وأكثر عددًا ونشاطًا مما كان متوقعًا؛ ما كشف عن بداية محمومة ومفعمة بالطاقة لملحمة المكان والزمان الكونية. على أن "ويب" لا يمكنه رؤية النجوم الأولى، لأنها لم تكن ساطعة بما يكفي لرصدها منفردة. فلقد توهجت هذه الوحوش المبكرة بحرارة هائلة وازدادت ضخامتها قبل أن تنفجر في شكل مستعرات عظمى بعد بضعة ملايين من السنين على بزوغها.. وما تلكم سوى برهة وجيزة من الزمن الفلكي. قال "توم أبيل"، عالم الكونيات الحسابية ودليلي خلال عمليات المحاكاة هذه: "لقد أبطأنا وتيرة تلك الأحداث هنا، لأنها ذات سرعة جنونية". كان يرتدي قرطًا على شاكلة إنسان مُكوَّم في وضع جنين. استطرد قائلًا: "إنها سريعة جدًا. فالنسخة الواقعية الكاملة كانت ستبدو مثل ومضات أسرع بكثير". تلك الومضات، وهي مستعرات عظمى من نجوم تفوق كتلتها مئات المرات كتلة الشمس، حوّلت الكون. هنالك تَولَّدت عناصر جديدة (الأوكسجين لصنع الماء، والسليكون لبناء الكواكب، والفوسفور لتزويد الخلايا بالطاقة) وانتشرت في أنحاء الكون. قامت تلك النجوم الأولى أيضًا بتفكيك ذرات غاز الهيدروجين المحيط بها، مما أدى إلى حرق الضباب الكوني (أي الغازات) وتبديده فأصبح الكون أوضح؛ وهي حقبة رئيسة تُعرف باسم إعادة التأيّن (Reionization). ومع انقشاع ذلك الضباب، اندمجت عناقيد من النجوم وطفقت تتكتل بشكل دوَّامي في تجمعات أكبر فأكبر، من ضمنها بذرة مجرتنا، "درب التبانة". كان أبيل قد شرع في إنشاء نماذج لولادة النجوم الأولى في تسعينيات القرن الماضي، حين لم يكن أحد يعرف ما هو أقدم جرم فلكي، سواء أكان ثقبًا أسود أم جرمًا بحجم كوكب المشتري أو أي شيء آخر. إذ أسهم بمعية زملائه، من خلال المحاكاة الحاسوبية، في التوصل إلى أن أول أجرام الكون كانت بالضرورة نجومًا، تطورت واشتعلت في أماكن نجحت فيها الجاذبية ببطء في منع الغاز من الاندثار في الفضاء، ثم إرجاعه حوالي النجوم. لكن أبيل في نهاية الأمر صرف اهتمامه عن محاكاة ولادة النجوم؛ إذ اعتقد أنه لم يعد هناك شيء يمكن تعلمه. ثم جاء "ويب".  أُطلق هذا التليسكوب الفضائي صبيحة عيد الكريسماس في عام 2021، وهو موجود الآن على بعد أكثر من مليون كيلومتر عن الأرض. وتلتقط مرآته الأساسية المطلية بالذهب، والتي يبلغ طولها 6.5 متر، ضوء المجرات القديمة التي ظلت تسافر عبر الفضاء منذ أكثر من 13 مليار سنة؛ فيكشف عن شكل المجرات كما كانت في الماضي السحيق.
تَرقَّب علماء الفلك العثور على بعض تلك المجرات الناشئة باستخدام "ويب". لكنهم لم يتوقعوا العثور على هذا العدد الكبير، أو أن هذه الاكتشافات يمكن أن تزعزع فهمهم لتاريخ المجرات. انطلق أعمق مسح للمجرات في الكون على الإطلاق في سبتمبر 2022، حين شرع ائتلاف دولي يُعرف اختصارًا باسم "جيدز" (JADES)، أو "مسح ويب المتقدم العميق لما وراء المجرات"، في استخدام هذا التليسكوب لرصد بقع من السماء على مدى عشرات الساعات في المرة الواحدة. وبعد أسبوعين من بدء عملية الرصد، اجتمع فريق الائتلاف في مدينة توكسون لدى "جامعة أريزونا" لمناقشة النتائج الأولى. ففي مبنى حديث مكون من خمسة طوابق به ردهة كبيرة في الهواء الطلق مصممة على شاكلة واد اضيق، التأم زُهاء 50 عالم فلك في قاعة دراسية ضيقة. منهم من وقف في الخلف ومنهم من جلب كراس إضافية للجلوس على طول الجدران. هنالك قالت "مارسيا ريكي"، عالمة الفلك في الجامعة نفسها وأحد قادة هذا الائتلاف: "سأضطر للشروع في حجز قاعات أكبر". كان هؤلاء العلماء، من أساتذة دائمين إلى طلاب دراسات عليا في العشرينات من العمر، منشغلين بالفسيفساء الظاهرة على شاشات حواسيبهم المحمولة: مئات الصور التي التقطها "ويب" حديثًا ودمجها معًا. شملَت الصورة، التي تَشارَكها الفريق قبل أيام فقط، عشرات الآلاف من المجرات والأجرام السماوية الأخرى. سرَت غمغمةٌ متحمسة بين الحاضرين وهم يُرُون بعضَهم بعضًا أشياء لم يسبق رؤيتها من قبل: مناطق تَكَوّن نجوم نشطة، ومراكز مجرات متوهجة يُحتمَل وجود ثقوب سوداء فيها، وفقاقيع ضوء محْمَرّة منبعثة من مجرات بعيدة جدًا لا يستطيع رصدها سوى "ويب". قالت لي ريكي: "مشهدنا شبيه بأطفال في متجر حلوى". تم تصميم "ويب"، على خلاف "تليسكوب هابل الفضائي"، نافذتنا السابقة على الماضي السحيق للكون، للرصد في الأشعة تحت الحمراء، مما يجعله مثاليًا لالتقاط ضوء النجوم المبكر. فتلك الأشعة تركت مصدرها على شكل أشعة فوق بنفسجية، لكنها امتدت إلى أطوال موجية أكثر احمرارًا بفعل تمدد الكون، وهي ظاهرة تعرف باسم الانزياح الأحمر. فكلما زاد الانزياح الأحمر، كانت الأطوال الموجية ذات أصول أقدم وزاد بعدها عن هذه الأصول. كانت ريكي تُدير تلك العروض بمزيج من البهجة الأصيلة والتأمل الحكيم، فتتدخل للإجابة عن سؤال فني أو تتوجه إلى أحد أعضاء الفريق بين المحادثات لمناقشة طريقة عمل التليسكوب. وإلى جانب كونها عالمة رائدة في ائتلاف "جيدز"، فإنها المحلّلة الرئيسة للبيانات التي جمعتها كاميرا "ويب" العاملة بالأشعة تحت الحمراء القريبة، أو "نيركام" (NIRCam)، مصدر فسيفساء المجرات على شاشات حواسيب الحاضرين. وقد أشرفت على تصميم الكاميرا، وهي تجميع مرايا وعدسات وكاشفات وزنها 150 كيلوجرامًا، هدفها استيعاب ضوء الكون بأكمله ودراسته من خلال مرشحات مختلفة. قالت: "هذه الصور هي كل ما كنا نأمل". ولكن، لم يكن كل شيء في التليسكوب يعمل على النحو المثالي. فقد كان مِطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة الخاص بـ"جيدز"، أو"نيرس-بيك" (NIR-Spec)، يعاني تماسًّا كهربائيًا أدى إلى ظهور بقع من الضوء وأغرق الأهداف الفلكية في بعض عمليات الرصد. تقوم هذه الأداة بتقسيم الضوء إلى أطياف، مما يسمح للعلماء بتجميع التركيبة الكيميائية لمجرةٍ ما وقياس انزياحها الأحمر بدقة. فبالإمكان استخدام صور "نيركام" لتقدير المسافات إلى المجرات، إلا أن "نيرس-بيك" كان ضروريًا للتأكد منها.
وقد أدت حالات التماس الكهربائي تلك إلى تأخير بعض ملاحظات الفريق، وهو حدثٌ تَبَينَ أنه كان مصادفة حسنة. فعلماء الفلك كانوا قد خططوا لاستخدام "نيرس-بيك" لفحص الأجرام المعروفة سلفًا بواسطة "هابل"، ولكن صار بإمكانهم الآن تغيير تلك الأهداف إلى المجرات التي اكتشفها "نيركام" للتو. حدّثني "كيفن هاينلاين"، عالم الفيزياء الفلكية لدى "جامعة أريزونا"، لاحقًا في مكتبه فقال: "لقد طفقنا نمحّص بشكل محموم هذه البيانات التي لم يرها أحد من قبل، بحثًا عن المجرات المرشَّحة لتكون الأبكر". 

اقرأ التفاصيل الكاملة في النسخة الورقية من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية"
أو عبر النسخة الرقمية من خلال الرابط التالي: https://linktr.ee/natgeomagarab