خللٌ في ساعة الطبيعة!

ما الأسرار التي تبوح بها كائنات البراري للعلماء عن ساعة الطبيعة المتغيرة؟ وما تداعيات ذلك على بني البشر؟

ظل حيوان المرموط، المسمّى "أَنْكُور"، هادئًا على نحو مدهش رغم أن شخصًا غريبًا قد أخذ للتّو مسحةً من خده. كان الجو ليلتَها معتدلًا ومنعشًا في غرب وسط كولورادو، وكان هذا المرموط أصفر البطن الذي يبلغ من العمر 11 شهرًا، لا يفتأ عن الحركة داخل فخ قفص معدني. هنالك أخذ عالِمان عيّنات من حمضه النووي لقياس مدى سرعة نموه. عكف العلماء في هذا المرج الجبلي العالي منذ عام 1962 على رسم خرائط للحياة الاجتماعية لحيوانات المرموط. لكن الباحثين في الآونة الأخيرة حوّلوا اهتمامهم أيضًا نحو رصد ما يُحدثه الاحتباس الحراري من تغيير على الجدول الزمني للطبيعة، وربما ما يُلحقه ذلك من تأثيرات في صحة المرموط.

تنهض حيوانات المرموط في كل ربيع من سباتها الشتوي. فتتزاوج وتُنجب وتُمضي سحابة صيفها في التهام الطعام قبل أن تدخل في سبات مرة أخرى. "إمّا أن تسمن أو تنفق"، كما قال لي "كونر فيلسون"، طالب الدكتوراه لدى "جامعة كاليفورنيا"، وهو يحمل أنكور في حقيبة من نوع "كيفلر" داكنة اللون حتى لا يقضم هذا الحيوان إصبع من يمسك به بقواطعه الكبيرة. وبعد أن مرَّرت زميلة فيلسون، "ماك كنزي سكوركا"، طالبة الماجستير لدى "جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس"، مربعًا من الرغوة عبر فم المرموط لأخذ عينات من الخلايا، أمسكت بالفرجار لقياس قدم واحدة صغيرة. ثم شكر فيلسون هذا الحيوان على عدم إغراقنا في برازه؛ إذ قال: "يكون الأمر أفضل بكثير عندما يتبرز داخل الفخ وليس علينا". إن سلوك حيوانات المرموط آخذ في التغير. فبسبب تغير المناخ، صارت تخرج الآن من سباتها الشتوي قبل نحو شهر من أوان خروجها، ممّا يُجبرها على التعجيل بالبحث عن الطعام. ومع ذلك، فإن جل حيوانات المرموط -كما سيكتشف الباحثون أيضًا مع أنكور- تنهي هذه الفترة بجسم مكتنز وصحة جيدة. فالخروج المبكر يمنحها وقتًا إضافيًا لتناول الطعام؛ ممّا يجعلها أكثر بدانة ويساعدها على الإنجاب أكثر. ويبدو أن تقويم الطبيعة المتغير كان حتى الآن عنصرًا نافعًا لحيوانات المرموط. لكن من شبه المؤكد أن ذلك كان استثناءً، لا قاعدة. يكتسي التوقيت أهمية جوهرية في العالم الطبيعي. فبدءًا من النوتات التي يستهل بها الطائر المغرد شدو الربيع، إلى الإيقاع الموسمي لطقطقة الروبيان، تسير كل عملية بيئية مهمة وتنتهي وفق نبضات الساعة: الإزهار، ووضع البيض، والإنسال، والهجرة. وينسحب ذلك على السهوب المنغولية كما في بحر العرب أو إحدى غابات كوستاريكا المطرية. فقد شحذت قرون من التطور هذه الأنماط. أما الآن فإن تغير المناخ يعيد ضبطها.

وهذا بالذات ما يعيد تشكيل الحياة لأغلب الأشياء. فالفصول في كل محيط وعبر كل قارة في حالة تغير مستمر؛ إذ إن الدفء المبكر، والبرد المتأخر، والتغيرات في تواتر الأمطار وشدتها كلها عوامل تغير الإيقاعات الثابتة بطرق يمكن التنبؤ بها وأخرى غير متوقعة. لذلك يبذل الباحثون في جميع أنحاء العالم جهودًا حثيثة للتوثيق لتوقيت أحداث دورة الحياة، وهو فرع علمي يُعرف باسم علم الفينولوجيا أو دراسة الأحداث البيولوجية. وقد تغير هذا التوقيت في الوقت الحالي رأسًا على عقب بفعل ما نطرحه من انبعاثات الوقود الأحفوري. لقد أصبح العلماء يرصدون هذه التغيرات أينما وَلَّوا وجوههم. فقد تغير توقيت ظهور الأوراق وتساقطها تغيرًا كبيرًا عبر أكثر من نصف الكوكب. وأصبحت الحيتان الحدباء في "خليج مين" تتجمع بوقت متأخر عمّا كانت عليه في السابق بـ 19 يومًا، فيما صارت أسماك الماكريل والنازلي وسمك الصخور تضع بيوضها في وقت أبكر من المعتاد في شمال المحيط الهادي. أما في "وادي النهر الأحمر" بولاية داكوتا الشمالية، فقد اكتشف العلماء وفودَ 65 نوعًا من أصل 83 نوعًا من الطيور في وقت مبكر عن المعتاد؛ إذ وصل بعضها قبل 31 يومًا من أوان وصوله. وأضحت أسماك السلمندر القزم في ولاية كارولينا الجنوبية تتأخر في وصولها إلى مناطق التزاوج بـ 76 يومًا. لكن ما يصعب فهمه هو حدة العواقب الناجمة عن ذلك على النبات والحيوان وعلينا. فإذا تغير كل شيء في الاتجاه نفسه وبالمقدار ذاته تقريبًا، فمن الممكن ألّا يكون التحول الذي سيطال تقويمنا الجديد غير ذي بال على المدى الطويل. فكما هو الحال مع التوقيت الصيفي، نستطيع تدبَّر أمرنا معًا. لكن الطبيعة تسير بخلاف ذلك؛ إذ قال "ديفيد إينوي"، الأستاذ الفخري لدى "جامعة ميريلاند" والباحث البارز في علم الفينولوجيا: "لا تستجيب الأنواع الحية على نحو متماثل".

اقرأ التفاصيل الكاملة في النسخة الورقية من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية"
أو عبر النسخة الرقمية من خلال الرابط التالي: https://linktr.ee/natgeomagarab

خللٌ في ساعة الطبيعة!

ما الأسرار التي تبوح بها كائنات البراري للعلماء عن ساعة الطبيعة المتغيرة؟ وما تداعيات ذلك على بني البشر؟

ظل حيوان المرموط، المسمّى "أَنْكُور"، هادئًا على نحو مدهش رغم أن شخصًا غريبًا قد أخذ للتّو مسحةً من خده. كان الجو ليلتَها معتدلًا ومنعشًا في غرب وسط كولورادو، وكان هذا المرموط أصفر البطن الذي يبلغ من العمر 11 شهرًا، لا يفتأ عن الحركة داخل فخ قفص معدني. هنالك أخذ عالِمان عيّنات من حمضه النووي لقياس مدى سرعة نموه. عكف العلماء في هذا المرج الجبلي العالي منذ عام 1962 على رسم خرائط للحياة الاجتماعية لحيوانات المرموط. لكن الباحثين في الآونة الأخيرة حوّلوا اهتمامهم أيضًا نحو رصد ما يُحدثه الاحتباس الحراري من تغيير على الجدول الزمني للطبيعة، وربما ما يُلحقه ذلك من تأثيرات في صحة المرموط.

تنهض حيوانات المرموط في كل ربيع من سباتها الشتوي. فتتزاوج وتُنجب وتُمضي سحابة صيفها في التهام الطعام قبل أن تدخل في سبات مرة أخرى. "إمّا أن تسمن أو تنفق"، كما قال لي "كونر فيلسون"، طالب الدكتوراه لدى "جامعة كاليفورنيا"، وهو يحمل أنكور في حقيبة من نوع "كيفلر" داكنة اللون حتى لا يقضم هذا الحيوان إصبع من يمسك به بقواطعه الكبيرة. وبعد أن مرَّرت زميلة فيلسون، "ماك كنزي سكوركا"، طالبة الماجستير لدى "جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس"، مربعًا من الرغوة عبر فم المرموط لأخذ عينات من الخلايا، أمسكت بالفرجار لقياس قدم واحدة صغيرة. ثم شكر فيلسون هذا الحيوان على عدم إغراقنا في برازه؛ إذ قال: "يكون الأمر أفضل بكثير عندما يتبرز داخل الفخ وليس علينا". إن سلوك حيوانات المرموط آخذ في التغير. فبسبب تغير المناخ، صارت تخرج الآن من سباتها الشتوي قبل نحو شهر من أوان خروجها، ممّا يُجبرها على التعجيل بالبحث عن الطعام. ومع ذلك، فإن جل حيوانات المرموط -كما سيكتشف الباحثون أيضًا مع أنكور- تنهي هذه الفترة بجسم مكتنز وصحة جيدة. فالخروج المبكر يمنحها وقتًا إضافيًا لتناول الطعام؛ ممّا يجعلها أكثر بدانة ويساعدها على الإنجاب أكثر. ويبدو أن تقويم الطبيعة المتغير كان حتى الآن عنصرًا نافعًا لحيوانات المرموط. لكن من شبه المؤكد أن ذلك كان استثناءً، لا قاعدة. يكتسي التوقيت أهمية جوهرية في العالم الطبيعي. فبدءًا من النوتات التي يستهل بها الطائر المغرد شدو الربيع، إلى الإيقاع الموسمي لطقطقة الروبيان، تسير كل عملية بيئية مهمة وتنتهي وفق نبضات الساعة: الإزهار، ووضع البيض، والإنسال، والهجرة. وينسحب ذلك على السهوب المنغولية كما في بحر العرب أو إحدى غابات كوستاريكا المطرية. فقد شحذت قرون من التطور هذه الأنماط. أما الآن فإن تغير المناخ يعيد ضبطها.

وهذا بالذات ما يعيد تشكيل الحياة لأغلب الأشياء. فالفصول في كل محيط وعبر كل قارة في حالة تغير مستمر؛ إذ إن الدفء المبكر، والبرد المتأخر، والتغيرات في تواتر الأمطار وشدتها كلها عوامل تغير الإيقاعات الثابتة بطرق يمكن التنبؤ بها وأخرى غير متوقعة. لذلك يبذل الباحثون في جميع أنحاء العالم جهودًا حثيثة للتوثيق لتوقيت أحداث دورة الحياة، وهو فرع علمي يُعرف باسم علم الفينولوجيا أو دراسة الأحداث البيولوجية. وقد تغير هذا التوقيت في الوقت الحالي رأسًا على عقب بفعل ما نطرحه من انبعاثات الوقود الأحفوري. لقد أصبح العلماء يرصدون هذه التغيرات أينما وَلَّوا وجوههم. فقد تغير توقيت ظهور الأوراق وتساقطها تغيرًا كبيرًا عبر أكثر من نصف الكوكب. وأصبحت الحيتان الحدباء في "خليج مين" تتجمع بوقت متأخر عمّا كانت عليه في السابق بـ 19 يومًا، فيما صارت أسماك الماكريل والنازلي وسمك الصخور تضع بيوضها في وقت أبكر من المعتاد في شمال المحيط الهادي. أما في "وادي النهر الأحمر" بولاية داكوتا الشمالية، فقد اكتشف العلماء وفودَ 65 نوعًا من أصل 83 نوعًا من الطيور في وقت مبكر عن المعتاد؛ إذ وصل بعضها قبل 31 يومًا من أوان وصوله. وأضحت أسماك السلمندر القزم في ولاية كارولينا الجنوبية تتأخر في وصولها إلى مناطق التزاوج بـ 76 يومًا. لكن ما يصعب فهمه هو حدة العواقب الناجمة عن ذلك على النبات والحيوان وعلينا. فإذا تغير كل شيء في الاتجاه نفسه وبالمقدار ذاته تقريبًا، فمن الممكن ألّا يكون التحول الذي سيطال تقويمنا الجديد غير ذي بال على المدى الطويل. فكما هو الحال مع التوقيت الصيفي، نستطيع تدبَّر أمرنا معًا. لكن الطبيعة تسير بخلاف ذلك؛ إذ قال "ديفيد إينوي"، الأستاذ الفخري لدى "جامعة ميريلاند" والباحث البارز في علم الفينولوجيا: "لا تستجيب الأنواع الحية على نحو متماثل".

اقرأ التفاصيل الكاملة في النسخة الورقية من مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية"
أو عبر النسخة الرقمية من خلال الرابط التالي: https://linktr.ee/natgeomagarab