آرال.. البحر الذي اغتاله السوفييت

كان كل مركب من هذه المراكب في الماضي يصيد من البحر أطناناً من الأسماك في كل عام. وقد ظل هذا الأسطول يتعرض للصدأ بالقرب من ميناء مدينة موينوك الأوزبكي، منذ أن جفت مياه بحر آرال في هذا المكان خلال ثمانينيات القرن الماضي.
أشار "يوسوب كامالوف" بيده إلى اتجاه الصحراء التي تمتد أمامنا بشجيراتها الخفيضة، ثم قال: "هذه هي الهيئة التي سيكون فيها العالم عند نهايته. فإذا قُدّر للبشرية مواجهة الحرب الفانية، فإن شعب قرقل باغستان هو الشعب الوحيد الذي سينجو من أهوالها.. لأننا نعيش...
أشار "يوسوب كامالوف" بيده إلى اتجاه الصحراء التي تمتد أمامنا بشجيراتها الخفيضة، ثم قال: "هذه هي الهيئة التي سيكون فيها العالم عند نهايته. فإذا قُدّر للبشرية مواجهة الحرب الفانية، فإن شعب قرقل باغستان هو الشعب الوحيد الذي سينجو من أهوالها.. لأننا نعيش بالفعل أطوار هذه الحرب".
كان منظر الصحراء من الموقع الذي كنا فيه بأعلى هذا الجرف الرملي بشمال أوزبكستان سيبدو عادياً، لولا أكوام الصدف وعدد من قوارب الصيد التي علاها الصدأ بعد أن خلّفها أصحابها وراءهم على الرمال. فقد شكلت هذه البقعة في ما مضى حافة شبه جزيرةٍ تطل على بحر آرال، الذي كان إلى حدود ستينيات القرن العشرين رابع أكبر كتلة مائية داخلية في العالم، إذ تمتد على مساحة تقدر بنحو 67 ألف كيلومتر مربع. أما خلفنا، فتمتد مدينة "موينوك" التي كانت ذات زمن خلا، قريةَ صيدٍ مزدهرة تحوي مصنعاً كبيراً للتعليب، كان يُصنِّعُ آلاف الأطنان من السمك سنوياً حتى حدود ثمانينيات القرن الماضي. فقبل نصف قرن على يومنا هذا، كانت الضفة الجنوبية لبحر آرال تقع في المكان الذي نقف فيه بالتحديد؛ أما الآن، فإنها تبعد عن هنا مسافة 90 كيلومتراً في اتجاه الشمال الغربي.
وقد أخذني كامالوف إلى هناك لمعاينة ما بقي من هذا البحر الذي كان يزخر بالثروات في سالف الأزمان. يبلغ كامالوف من العمر 64 سنة ويعمل باحثاً رفيع الشأن في مجال طاقة الرياح بأكاديمية أوزبكستان للعلوم. كما أنه ينشط في مجال البيئة إذ يرأس منظمة غير ربحية تدعى "اتحاد الدفاع عن بحر آرال وآمو دَاريا". ويتحدر أصل كامالوف من أسرة أوزبكية ذات نفوذ ووجاهة؛ وله جسم ممتلئ وشعر أبيض متلبد. كان أبوه مؤرخاً مشهوراً خلال فترة الحكم السوفييتي، وكان جده آخِر خانٍ -أو زعيم- منتخَب في جمهورية قرقل باغستان التي كانت تتمتع باستقلال شبه ذاتي قبل أن تصبح جزءاً من الجمهورية الأوزبكية السوفيتية الاشتراكية خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
لا يمتلك بلد كامالوف أي مزرعة للرياح حتى اليوم، لكن ذلك لم يثبط عزيمته وشغفه بالمجال المهني الذي اختار لنفسه. فلقد دفعه هوسه بالرياح إلى صنع طائرتين شراعيتين من دون محرك، يطير بهما من على  قمة تل محلية ليفهم تيارات الهواء فهماً جيداً. وفي ذلك يقول كامالوف: "أريد أن أكتسب معرفة بالرياح على شاكلة الطيور". لكن اهتماماته تمتد إلى كل ما يتصل بالبيئة. وقد أوقف اليوم نشاطه البحثي مؤقتاً ليُريني ماذا تبقّى مما كان يشكل في السابق كتلة مائية شاسعة تنبض بالحياة، وليطلعني أيضاً على ما خلّفه انحسار مياه بحر آرال.. بصورة تبعث على التشاؤم.

يقع بحر آرال بين كازاخستان وأوزبكستان، وكان يصب فيه على مدى آلاف السنين نهران رئيسان هما "آمو دَاريا" و"سير داَريا". لم يكن للبحر أي منفذ، ولذا فإنه كان يحافظ على مستوى مياهه من خلال توازن طبيعي بين التدفق والتبخر.
عندما غزا الإسكندر الأكبر هذه الأرض خلال القرن الرابع قبل الميلاد، كان النهران بمنزلة شريان الحياة الذي يمد آسيا الوسطى بأسباب العيش. وعلى مرّ مئات السنين، كانت مياه بحر آرال ومناطق الدلتا الشاسعة التابعة له، تغذي أرخبيلا من المستوطنات البشرية يمتد على طول طريق الحرير الذي كان يصل الصين بأوروبا.
في ذلك الزمن، شهدت تلك المجتمعات القديمة لأقوام الطاجيك والأوزبك والكازاك وغيرها ازدهاراً كبيراً في مجالات الزراعة والصيد والرعي والتجارة والحِرف التقليدية.

آرال.. البحر الذي اغتاله السوفييت

كان كل مركب من هذه المراكب في الماضي يصيد من البحر أطناناً من الأسماك في كل عام. وقد ظل هذا الأسطول يتعرض للصدأ بالقرب من ميناء مدينة موينوك الأوزبكي، منذ أن جفت مياه بحر آرال في هذا المكان خلال ثمانينيات القرن الماضي.
أشار "يوسوب كامالوف" بيده إلى اتجاه الصحراء التي تمتد أمامنا بشجيراتها الخفيضة، ثم قال: "هذه هي الهيئة التي سيكون فيها العالم عند نهايته. فإذا قُدّر للبشرية مواجهة الحرب الفانية، فإن شعب قرقل باغستان هو الشعب الوحيد الذي سينجو من أهوالها.. لأننا نعيش...
أشار "يوسوب كامالوف" بيده إلى اتجاه الصحراء التي تمتد أمامنا بشجيراتها الخفيضة، ثم قال: "هذه هي الهيئة التي سيكون فيها العالم عند نهايته. فإذا قُدّر للبشرية مواجهة الحرب الفانية، فإن شعب قرقل باغستان هو الشعب الوحيد الذي سينجو من أهوالها.. لأننا نعيش بالفعل أطوار هذه الحرب".
كان منظر الصحراء من الموقع الذي كنا فيه بأعلى هذا الجرف الرملي بشمال أوزبكستان سيبدو عادياً، لولا أكوام الصدف وعدد من قوارب الصيد التي علاها الصدأ بعد أن خلّفها أصحابها وراءهم على الرمال. فقد شكلت هذه البقعة في ما مضى حافة شبه جزيرةٍ تطل على بحر آرال، الذي كان إلى حدود ستينيات القرن العشرين رابع أكبر كتلة مائية داخلية في العالم، إذ تمتد على مساحة تقدر بنحو 67 ألف كيلومتر مربع. أما خلفنا، فتمتد مدينة "موينوك" التي كانت ذات زمن خلا، قريةَ صيدٍ مزدهرة تحوي مصنعاً كبيراً للتعليب، كان يُصنِّعُ آلاف الأطنان من السمك سنوياً حتى حدود ثمانينيات القرن الماضي. فقبل نصف قرن على يومنا هذا، كانت الضفة الجنوبية لبحر آرال تقع في المكان الذي نقف فيه بالتحديد؛ أما الآن، فإنها تبعد عن هنا مسافة 90 كيلومتراً في اتجاه الشمال الغربي.
وقد أخذني كامالوف إلى هناك لمعاينة ما بقي من هذا البحر الذي كان يزخر بالثروات في سالف الأزمان. يبلغ كامالوف من العمر 64 سنة ويعمل باحثاً رفيع الشأن في مجال طاقة الرياح بأكاديمية أوزبكستان للعلوم. كما أنه ينشط في مجال البيئة إذ يرأس منظمة غير ربحية تدعى "اتحاد الدفاع عن بحر آرال وآمو دَاريا". ويتحدر أصل كامالوف من أسرة أوزبكية ذات نفوذ ووجاهة؛ وله جسم ممتلئ وشعر أبيض متلبد. كان أبوه مؤرخاً مشهوراً خلال فترة الحكم السوفييتي، وكان جده آخِر خانٍ -أو زعيم- منتخَب في جمهورية قرقل باغستان التي كانت تتمتع باستقلال شبه ذاتي قبل أن تصبح جزءاً من الجمهورية الأوزبكية السوفيتية الاشتراكية خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
لا يمتلك بلد كامالوف أي مزرعة للرياح حتى اليوم، لكن ذلك لم يثبط عزيمته وشغفه بالمجال المهني الذي اختار لنفسه. فلقد دفعه هوسه بالرياح إلى صنع طائرتين شراعيتين من دون محرك، يطير بهما من على  قمة تل محلية ليفهم تيارات الهواء فهماً جيداً. وفي ذلك يقول كامالوف: "أريد أن أكتسب معرفة بالرياح على شاكلة الطيور". لكن اهتماماته تمتد إلى كل ما يتصل بالبيئة. وقد أوقف اليوم نشاطه البحثي مؤقتاً ليُريني ماذا تبقّى مما كان يشكل في السابق كتلة مائية شاسعة تنبض بالحياة، وليطلعني أيضاً على ما خلّفه انحسار مياه بحر آرال.. بصورة تبعث على التشاؤم.

يقع بحر آرال بين كازاخستان وأوزبكستان، وكان يصب فيه على مدى آلاف السنين نهران رئيسان هما "آمو دَاريا" و"سير داَريا". لم يكن للبحر أي منفذ، ولذا فإنه كان يحافظ على مستوى مياهه من خلال توازن طبيعي بين التدفق والتبخر.
عندما غزا الإسكندر الأكبر هذه الأرض خلال القرن الرابع قبل الميلاد، كان النهران بمنزلة شريان الحياة الذي يمد آسيا الوسطى بأسباب العيش. وعلى مرّ مئات السنين، كانت مياه بحر آرال ومناطق الدلتا الشاسعة التابعة له، تغذي أرخبيلا من المستوطنات البشرية يمتد على طول طريق الحرير الذي كان يصل الصين بأوروبا.
في ذلك الزمن، شهدت تلك المجتمعات القديمة لأقوام الطاجيك والأوزبك والكازاك وغيرها ازدهاراً كبيراً في مجالات الزراعة والصيد والرعي والتجارة والحِرف التقليدية.