ثورة  على عجلتين

تتنافس النساء في سباق دراجات في بريست بفرنسا عام 1897. ساعدت الحرية التي وفرها ركوب الدراجات في تقدم حركة حقوق المرأة.الصورة: ADOC-PHOTOS، GETTY

ثورة  على عجلتين

قام جنود من "فيلق المشاة الخامس والعشرون" في الجيش الأميركي برحلات طويلة على الدراجات لاختبار جدوى الدراجات بوصفها وسيلة للنقل العسكري.الصورة: F. J. Haynes

ثورة  على عجلتين

أسراب من راكبي الدراجات في بوغوتا، كولومبيا. بسبب الجائحة التي حدّت من وسائل النقل العام وفرص الترفيه في الأماكن المغلقة، اكتسب ركوب الدراجات شعبية كبيرة.الصورة: Stephen Ferry

ثورة على عجلتين

لم يكن اختراع الدرّاجة في أواخر القرن التاسع عشر محض ابتكار لوسيلة نقل جديدة، بل بالأحرى أسلوبًا جديدًا للحياة.

قلم: روف سميث

1 سبتمبر 2022 - تابع لعدد سبتمبر 2022

حتى وإن لم يكن التاريخ يعيد نفسه تمامًا، فمن المؤكد أن أحداثَه تنسجم وتتناغم. مع تنامي الطلب على الدراجات بقدر كبير، واستعداد الدول لإنفاق المليارات بهدف إعادة تصميم مدنها والتركيز المعاصر على ركوب الدراجات والمشي، يجدر بنا أن نتذكر كيف أدى ظهور هذه الوسيلة في أواخر القرن التاسع عشر إلى تغيير العالم. لقد كان ابتكارًا تقنيًا هائلًا رجّ المجتمع رجًّا، ويمكن مقارنة تأثيره بما أحدثه الهاتف الذكي في أيامنا هذه. وقد ظلت الدراجة على مَرّ بضعة أعوام من مجدها في تسعينيات القرن التاسع عشر، السلعة المرغوبة لدى جميع الناس؛ بوصفها وسيلة نقل سريعة وأنيقة في المتناول يمكنها أن تنقل المرءَ حيثما أراد ووقتما رغب.. مجانًا. كان تَعلُّم ركوب الدراجة بمتناول الجميع تقريبًا، وهذا ما فعله الجميع تقريبًا. بدأ سلطان زنجبار ركوب الدراجة. وكذلك فعل قيصر روسيا. واشترى أمير كابول دراجات لحريمه كلهن. لكن الطبقات المتوسطة والعاملة حول العالم هي من جعلت من الدراجة ابتكارًا خاصًا بها. فلقد صار بإمكان جل السكان، أول مرة في التاريخ، التنقل جيئةً وذهابًا كما كان يحلو لهم. ولم تعد هناك حاجة إلى الخيول والعربات باهظة الثمن. عُرِفت الدراجة قديمًا لدى بعض البلدان العربية بأسماء من قبيل "حصان إبليس" و"فرس الريح"؛ ولم تكن خفيفة الوزن ميسورة التكلفة سهلة الصيانة فحسب، بل كانت أيضًا أسرع وسيلة نقل على الطرقات. ولقد أحدث ذلك تحولًا عميقًا في المجتمع. وكانت النساء متحمسات على نحو خاص لهذا الابتكار، إذ تَخلصن من تنانيرهن "الفكتورية" المُرهقة، وارتدين البنطلونات والملابس "المعقولة"، وخرجن إلى الطريق بأعداد كبيرة. وقد صرحت "سوزان بي. أنتوني" في مقابلة مع صحيفة "نيويورك سانداي وورلد" في عام 1896، قائلةً: "أعتقد أن ركوب الدراجات قد أسهم في تحرير المرأة أكثر من أي شيء آخر في العالم. أقف اليوم واستمتع في كل مرة تمُرُّ بي امرأة تَقود العجلة.. إنها صورة تُجسد الأنوثة المتحررة من القيود". بحلول عام 1898، أصبح ركوب الدراجات نشاطًا شائعًا في الولايات المتحدة إلى درجة أن صحيفة "نيويورك جورنال أوف كوميرس" خلصت إلى أن ركوب الدراجات يكلف المطاعم والمسارح خسائر تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار سنويًا بسبب نزوح الزبائن نحو ركوب الدراجات على حساب الذهاب إلى المطاعم والمسارح. كما بات تصنيع الدراجات أحد أكبر الصناعات الأميركية وأكثرها ابتكارًا. فقد كان ثلث طلبات تسجيل براءات الاختراع متعلقًا بالدراجات، حتى إن "مكتب براءات الاختراع الأميركي" اضطر لبناء ملحق منفصل للتعامل مع هذا الكم من الطلبات جميعها. يُنسَب الفضل عمومًا في اختراع الدراجة الحديثة إلى رجل إنجليزي يُدعى "جون كيمب ستارلي". وكان عمّه "جيمس ستارلي"، قد طوّر الدراجة الأولى ذات العجلة الأمامية الكبيرة في سبعينيات القرن التاسع عشر. ولمّا توقع جون كيمب أن الطلب سيزداد على الدراجات إنْ لم يكن ركوبها خطيرًا أو مخيفًا، شرع هذا المخترع -البالغ من العمر 30 عامًا حينها- في إجراء تجارب داخل ورشته بمدينة "كوفنتري" بإنجلترا على دراجة تسير بسلسلة وعجلتين أصغر بكثير. وبعد اختبار عدة نماذج أولية، ابتكر دراجة "روفر" (Rover) الآمنة، وهي آلة تزن 20 كيلوجرامًا وتشبه إلى حد كبير ما نعدّه اليوم دراجة هوائية. عند عرضها أول مرة في معرض دراجاتٍ عام 1886، عُدَّ اختراع ستارلي ذاك تقليعة مبتكرة حديثة لا تلبث حتى تُنسى. ولكن بَعدها بعامين، تغير كل ذلك كفعل السحر، عندما أُدخِلت عليها الإطارات الهوائية المُخترَعة حديثًا حينها؛ مما أضاف مزيدًا من الراحة عند ركوب الدراجة الآمنة وزاد من سرعتها بنحو 30 بالمئة. وهكذا سارع صانعو الدراجات في جميع أنحاء العالم لتقديم إصداراتهم الخاصة من الدراجة الهوائية، وظهرت مئات الشركات الجديدة لتلبية الطلب المتزايد. وخلال "معرض ستانلي للدراجات" في لندن عام 1895، عرض زُهاء 200 صانع دراجات 3000 طراز منها. كانت "كولومبيا بايسيكلز" واحدة من أكبر الشركات المصنعة للدراجات؛ وقد استطاع مَصنعها في مدينة هارتفورد الأميركية، تصنيع دراجة هوائية في مدة دقيقة واحدة بفضل خط التجميع الآلي الخاص به، وهي تقنية رائدة آنذاك أصبحت فيما بعد السمة المميزة لصناعة السيارات. ولأن شركة "كولومبيا بايسيكلز" كانت منشأةً متطورة في خضم صناعة مزدهرة، فقد قدمت أيضًا لموظفيها مواقف للدراجات وخزائن خاصة ووجبات طعام مدعومة في مقصف الشركة إلى جانب مكتبة للقراءة.
أدى الطلب النهم على الدراجات إلى ظهور صناعات أخرى، منها صناعة مَحامل الكريّات، وأسلاك تثبيت العجلات، والأنابيب الفولاذية، وصناعة الأدوات الدقيقة، وهو الأمر الذي كان له عظيم الأثر في عالم التصنيع مدة طويلة حتى بعد زمن مديد على نقل الدراجة إلى قسم منتجات الألعاب. وقد كُلف الفنانون بإبداع ملصقات جميلة، الأمر الذي وفر سوقًا مربحةً لعمليات الطباعة الحجرية المطورة حديثًا والتي سمحت بطباعة ألوان غنية تنبض بالحياة. وبدأت استراتيجيات التسويق، مثل التقادم المُجدول وطرح نماذج جديدة كل عام، مع تجارة الدراجات في تسعينيات القرن التاسع عشر.
بدا كل شيء ممكنًا على الدراجة؛ فقد انطلق أناس عاديون على الدراجة في رحلات غير عادية. في صيف عام 1890، على سبيل المثال، ركبَ ملازم شاب في الجيش الروسي دراجة من سانت بطرسبرغ إلى لندن، قاطعًا ما معدله 115 كيلومترًا في اليوم. وفي سبتمبر 1894، انطلقت "آني لندنديري" -وعمرها آنذاك 24 عامًا- من شيكاغو حاملة معها ما تُغيّر به ملابسها مرة واحدة ومسدسًا بمقبض لؤلؤي لتصبح أول امرأة تدور حول العالم بالدراجة. وبعد أقل من عام بقليل، عادت إلى شيكاغو ونالت جائزة قدرها 10 آلاف دولار. في أستراليا، كان جزازو الصوف المتجولون يركبون دراجاتهم بصورة روتينية مئات الكيلومترات عبر المناطق النائية الخالية من المياه بحثًا عن عمل. وقد شرعوا في هذه الرحلات كما لو كانت نزهة في حديقة، حسب تعبير مراسل صحافي يُدعى "سي. إي. دبليو. بين" في كتابه، "على مسار الصوف"؛ إذ كتب: "كان يسأل عن طريقه، ويُشعل غليونه، ويضع ساقه فوق دراجته وينطلق. وإن كان قد تربى في المدينة، كما كان العديد من جزازي الصوف، ففي الغالب كان يرتدي معطفًا أسود وقبعة كروية الشكل، تمامًا كما لو كان ذاهبًا لاحتساء الشاي عند عمّاته".
وفي "الغرب الأميركي" خلال صيف عام 1897، قام "الفيلق الخامس والعشرون" للجيش الأميركي برحلة غير عادية بلغ طولها 3060 كيلومترًا لإثبات فائدة الدراجات للجيش. ركب الجنود الدراجات حاملين مُعدّاتهم العسكرية الكاملة وبنادقهم القصيرة على مسارات وعرة موحلة، وقد بلغ ما قطعوه من مسافة يومية زُهاء 80 كيلومترًا، أي أسرع مرتين من وحدة سلاح الفرسان على الجياد، وبثلث التكلفة. لقد لامس ظهور الدراجة كل جانب من جوانب الحياة تقريبًا، بما في ذلك الفن والموسيقى والأدب والموضة، وحتى المورّثات البشرية. إذ تظهر سجلات الأبرشية في إنجلترا ارتفاعًا ملحوظًا في الزيجات بين أهالي القرى من قرى مختلفة أثناء موجة ركوب الدراجات المتصاعدة في تسعينيات القرن التاسع عشر. إذ جاب الشباب المتحررون حديثًا الريف متى شاءوا، واختلطوا مع الناس خلال طريقهم، واختلطوا مع بعضهم في قرى نائية -حسب ملاحظات حماة الأخلاق العبوسين في ذلك الوقت- مفلتين بذلك من وصاية كبار السن.
سجّل مؤلف الأغاني الإنجليزي "هنري داكر" نجاحًا كبيرًا على جانبي الأطلسي في عام 1892 بأغنيته "ديزي بيل" ولازمتها الموسيقية الشهيرة "دراجة صُنعت لشخصين". وقد ألَّف الكاتب "إتش. جي. ويلز"، وهو درّاج متحمس ومراقب اجتماعي ماهر، العديد من "روايات ركوب الدراجات"، وهي روايات لطيفة تتمحور حول هذا الشكل الجديد والرائع من التنقل وقصصه الرومانسية والتحررية التي تذوب فيها الفوارق الطبقية.
لم يكن ويلز هو صاحب الرؤية الوحيد الذي رأى دورًا للدراجة في رسم معالم المستقبل. "لن يقل تأثير [الدراجات] في تطوير المدن عن المستوى الثوري في التغيير"، هكذا قال كاتب في مجلة أميركية متخصصة بعلم الاجتماع عام 1892. وفي مقال بعنوان "التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للدراجة"، تنبأ الكاتب بمدن أكثر اخضرارًا وهدوءًا مع سكان أسعد وأكثر صحة وعافية وتفتُّحًا. وقد كتب أنه بفضل الدراجة، يرى الشباب "نواحٍ أكثر من العالم ويتوسع أُفقهم من خلال هذا الاتصال. نادرًا ما يتخطون مسافة المشي من منازلهم، إلا أنهم على الدراجة الهوائية يتجولون باستمرار عبر العديد من البلدات المحيطة، ليصبحوا على دراية بمقاطعات بأكملها وفي وقت الإجازة، ولا يندر أيضًا أن يستكشفوا عدة ولايات. مثل هذه التجارب تنتج نموًا في الطاقة والاعتماد على الذات والاستقلال في الشخصية..". أدى النفوذ السياسي لملايين من راكبي الدراجات وإحدى أكبر الصناعات في البلد إلى تحسينات سريعة في شوارع المدينة والطرق الريفية؛ إذ مهَّد راكبو الدراجات الطريق فعليًا لعصر السيارات الذي لم يتوقعه أحد. فقد افتتحت منطقة "بروكلين" في نيويورك أحد أول المسارات المخصصة للدراجات في الولايات المتحدة عام 1895. استخدم المسارَ نحو 10 آلاف من راكبي الدراجات في اليوم الأول. بعد ذلك بعامين، سنّت مدينة نيويورك أول قانون مرور في البلد ردًا على تزايد أعداد "المشاغبين" ممن يركبون الدراجات بسرعات جنونية وخطيرة. وقد ابتدع مفوض شرطة المدينة، "تيدي روزفلت"، رجال شرطة على دراجات هوائية يمكنهم إلقاء القبض على السائقين المسرعين، لأن "حصان إبليس" كان ما يزال أسرع وسيلة نقل على الطريق.
ولكن هذا الحال لم يدم طويلًا. فقبل أن ينقضي ذلك العقد، كان مبتكرو تجارة الدراجات على جانبي المحيط الأطلسي في أوروبا وأميركا قد توصلوا إلى أن مكونات الدراجات، من عجلات بأسلاك وسلاسل للحركة ومحامل للكريات، يمكن دمجها مع محرك لجعل المركبات أكثر سرعة. صحيح أن هذه المركبات ليست بهدوء الدراجة ولا بتكلفتها البسيطة، غير أنها كانت ممتعة في القيادة ومربحة. في دايتون بولاية أوهايو، كان اثنان من ميكانيكيي الدراجات -الأخوان ويلبر وأورفيل رايت- يستكشفان فكرة وجود آلة طيران أثقل من الهواء، وقد ربطا أجنحة بالدراجة لاختبار الاحتمالات الديناميكية الهوائية، وكانا يُموّلان أبحاثهما بأرباح من متجر الدراجات الخاص بهما. بالعودة إلى كوفنتري شمال إنجلترا، كان "جيمس كيمب ستارلي"، الذي بدأت دراجته الآمنة "روفر" كل شيء في ثمانينيات القرن التاسع عشر، قد توفي فجأة عام 1901 في عمر ناهز الـ 46 عامًا. وبحلول ذلك الوقت، كانت شركته تنتقل من صناعة الدراجة المتواضعة إلى إنتاج الدراجات النارية والسيارات في النهاية. بدا الأمر وكأنه طريق نحو المستقبل؛ ففي أميركا، كان ميكانيكي دراجات سابق آخر يدعى "هنري فورد" يحقق نجاحه الخاص في مجال المحركات.

استكشاف

اللحوم النباتية.. هل تضـاهي نظيرتها الحيوانية؟

اللحوم النباتية.. هل تضـاهي نظيرتها الحيوانية؟

أقراص ناغتس مقلية، شطائر برغر، وسجق مشوي.. لقد تذوقتُ كل هذه المنتجات المصنوعة من مواد نباتية وصرتُ من المعجبين بها. لكن اللحوم الحيوانية تخفي خلفها سحرًا لا يقاوَم.

إكسيـر الحيـاة المـديـدة

استكشاف فكرة نيرة

إكسيـر الحيـاة المـديـدة

باختيارنا نمط حياة صحيًا، سيصير بإمكاننا إجراء تغييرات وراثية ذاتية لدرء الأمراض وتعزيز سبل الحياة المديدة.

ثــورة  عـلى عجلتيــن

استكشاف فكرة نيرة

ثورة على عجلتين

لم يكن اختراع الدرّاجة في أواخر القرن التاسع عشر محض ابتكار لوسيلة نقل جديدة، بل بالأحرى أسلوبًا جديدًا للحياة.